لطفية الدليمي.. فضاءات بلا حدود

11 مارس 2026
11 مارس 2026

حين نشرت الكاتبة لطفية الدليمي بصفحتها يوم 29 يناير الماضي اعتذارًا عن عدم قدرتها على الرد على الرسائل والمكالمات بسبب المرض ومعاناتها من آثار الفيروس الذي عاث فسادًا في رئتيها، لم نتخيل أن ذلك المنشور سيكون الأخير.

ففي صباح يوم 8 مارس الجاري، فوجئنا بخبر رحيلها عن عمر (83) عامًا، لنفقد واحدة من أهم الكاتبات والمثقفات والمترجمات العربيات، وتشهد على جهودها الإبداعية والمعرفية الكتب التي وضعتها، فقد أصدرت، مجملها، أكثر من سبعين كتابًا في الرواية والقصة القصيرة، والترجمة عن الإنجليزية، وبلغت حصيلة الكتب التي ترجمتها 25 كتابًا، أبرزها: (الثقافتان والثورة العلمية)، (طريق الحكمة طريق السلام)، (الفكر العابر للإنسانية)، (الثقافة الثالثة)، (اكتمال العالم)، (فيزياء الرواية)، (ضوء نهار مشرق)، (نزهة فلسفية في غابة الأدب)، و(بلاد الثلوج).

علما بأن الإنجليزية درستها في جامعة لندن عام 1978 بعد تخرّجها من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد، وعملت في التدريس.

إلى جانب ذلك، للكاتبة الراحلة جهود في أدب الرحلات، وقد فاز لها كتاب بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي، وهو كتاب (مُدُني وأهوائي: جولات في مدن العالم). وكذلك كتبت للمسرح، وهذا الجانب لم ينتبه له العاملون في المسرح، فلها عدد من المسرحيات من بينها: (الكرة الحمراء)، و(الشبيه الأخير)، و(قمر أور)، و(شبح كلكامش)، ونالت مسرحيتها (الليالي السومرية) جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومري من خلال تقديم قراءة مغايرة لملحمة جلجامش.

ولها أعمال درامية تلفزيونية، أبرزها مسلسل تاريخي عن الحضارة البابلية من ثلاثين حلقة، كما عملت في الصحافة الثقافية وترأست أكثر من مجلة، من بينها مجلة (هلا)، وعملت مديرة تحرير مجلة (الثقافة الأجنبية)، وكتبت المقال الأدبي وواظبت في السنوات الأخيرة على كتابة مقال أسبوعي استمر حتى وفاتها. كما كتبت في قضايا المرأة ودافعت عن حقوقها، وأسست مركز (شبعاد) لدراسات حرية المرأة في بغداد عام 2000، ولها دراسات اجتماعية في أوضاع المرأة وحريتها والواقع الذي تعيشه.

ولم تكن ستخرج بهذه الغزارة في الكتابة والحصيلة المعرفية التي اكتسبتها من خلال القراءة المكثفة، لولا النظام الصارم الذي اتبعته في حياتها. فالوقت المخصص للقراءة والكتابة كان يحتل مساحة واسعة من برامجها اليومية، وكانت تؤمن أن الإبداع يحتاج إلى خلوة. وقد أحاطت نفسها بسياج يحميها من العلاقات الاجتماعية التي تستهلك الوقت، وكانت تعتذر عن إجراء الحوارات التلفزيونية والإذاعية، والظهور في المناسبات العامة، وتطلب من القراء وزملائها من الأدباء مراعاة خصوصيتها وانشغالاتها.

وفي هذا تقول: «للحفاظ على الروح المبدعة لابدّ من تحاشي الأضواء لصون الحرية، فبقعة الضوء التي تبث الوجه الاستعراضي الملائكي للمبدع تفتك به وتحيله إلى مادة ـ سلعة استهلاكية مبذولة ومملة ومنتهكة، المبدع يتوهج في صون الذات عن ابتذال الإعلام وصخبه».

ولم تكن عزلتها من النوع المنغلق، فلم تنقطع عن التواصل مع الأصدقاء والقراء، لكن ضمن حدود وضعتها. فقد كانت تناقش العديد من القضايا الفكرية في صفحتها على الفيسبوك، وتعلّق على الردود وتردّ على الاستفسارات، وحين تتعب من الكتابة تجد في الخروج إلى الطبيعة خير ملاذ.

ولها كتاب صدر ببغداد في الثمانينيات لا يعرفه الكثيرون، عنوانه «الإنسان والغذاء الحي: العودة إلى الطبيعة»، حمل اسمها الثلاثي: لطفية سهيل نجم. وحول سبب عدم نشر اسمها الذي عُرفت به (لطفية الدليمي) على غلاف الكتاب، ربما لم تشأ أن تصدم القراء بكتاب بعيد عن المجالات التي طرقتها في كتبها الأخرى. فالكتاب يتحدث عن إعداد الغذاء الصحي الذي يتم تحضيره من الأعشاب والنباتات، وخارج صفحات الكتاب كانت تعتني بنباتاتها وزهورها، وتمضي وقتًا بينها في التأمل والتفكر والتخيّل، وتقيم حوارًا معها.

هذا الحوار يتيح لها فرصة استعادة الذاكرة وتحفيز المخيلة، فهي ترى أن «الذاكرة جذر، والمخيّلة جناح، فذاكرة البشرية وإنجازاتها الملهمة على مر العصور جذر ودليل إلى المستقبل، والأجنحة حرية مخيلتنا الإنسانية، وما تبتكره من إبداع وعلوم وكشوف في فضاء بلا حدود».

وفي مقالاتها ومنشوراتها، اعتادت أن تزرع الأمل في نفوس قرّائها والمحيطين بها، وحين قرأت د. فاطمة الثابت كتابها الأخير (بعيدًا عن ضوضاء العالم) الصادر عن دار المدى 2024م، كتبت أن الدليمي «ذكّرتني بأن الحياة، رغم مادتها المأساوية، تليق بكائن يعرف أنه بطل بتفاصيل حياته اليومية، وبقدرته على العيش بشرف وكرامة بلا خذلان. خرجتُ من الكتاب أكثر تصالحًا مع ضجيج العالم وأكثر إيمانًا بأن الكلمة الطيبة هي الجسر الوحيد الذي يستحق أن نمضي فوقه».

وقد نذرت الكاتبة لطفية الدليمي حياتها لبناء هذا الجسر الذي سيظل ممتدًا رغم غياب الجسد، ليوصل رسائلها الجمالية ويفتح فضاءات بلا حدود.