الخليج بين حرب قائمة.. وفتنة نائمة

11 مارس 2026
11 مارس 2026

لم تمر على دول الخليج منذ عقود لحظات بمثل هذه الحلكة، ولم تطفُ عليها ظروفٌ مصيرية كما نشهدها الآن، فهي في وضع سياسي تحار له الألباب، وتذهل فيه العقول، حيث فُرضت عليها حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وأصبحت دوله هي من يدفع فاتورة هذه الحرب العبثية، وهي من تكتوي بنارها وآثارها وعواقبها التالية التي قد يستفيد منها غيرها، وتتحمل هي أوزارها.

وقد وقعت هذه الدول في فخ تحتاج فيه إلى الحكمة والعقل والتحمل والصبر، فمن ناحية تقف في دور الدفاع عن أراضيها دون رد فعل على الضربات الإيرانية لمنشآتها، ومن ناحية أخرى تجد نفسها تحت ضغوط عسكرية ومالية وابتزاز علني من الولايات المتحدة لا تستطيع دفعه أو التخلّص منه، نظرًا لارتباطها المعقّد بالاتفاقيات الأمنية معها ومع دول غربية أخرى.

فلو ردت دول الخليج على الضربات الإيرانية لوقعت في تهمة الاصطفاف مع الكيان الإسرائيلي في معركته، وإن مارست ضبط النفس فهي معرضة لهجمات لا حدود لها من مصادر معروفة ومجهولة تريد جرّها للدخول في الحرب، لذلك تجد هذه الدول نفسها في موقف عصيب لا تُحسد عليه، ولغز يصعب حلّه أو فك طلاسمه.

وفي كل الظروف، على دول الخليج أن تعيد النظر في فكرها السياسي بشكل عام، وأن تعيد ترتيب صفوفها وأوراقها، والنظر إلى المشهد بواقعية أكثر، وعليها أن تبدأ بنقد الذات ومعرفة ما يجب عليها أن تقوم به في المرحلة التالية من الحرب، وأن تجعل مصيرها بيدها لا بيد غيرها، وأن تجعل من (مجلس التعاون الخليجي) كيانًا وحدويًا، وليس بروتوكولًا سنويًا ذا رؤية واضحة ومحددة، أكثر التزامًا والتصاقًا بآمال شعوبها وتطلعاتها، وأن تنبذ الخلافات الجانبية الصغيرة التي تتقزم ـ مهما كبرت ـ أمام التحديات الوجودية التي تواجهها حاليًا، فمصير دول الخليج كلها واحد، ولذلك يجب أن تكون الاستراتيجية واحدة، تكبر على كل الصغائر، وتتبع بوصلة سياسية أكثر وضوحًا، فلا يمكن لدول صغيرة مثل دول الخليج العربي أن تنفرد بقرارها السيادي دون جيش موحد ذي عقيدة عسكرية نبيلة، واقتصاد مستقل، وهذا ما يجب أن تعمل عليه هذه الدول وأن تعززه، وأن تعيد روح الثقة بين أعضائها، لتنعم بالأمن والرخاء الطويلين.

إن هذه الحرب المفروضة على دول مجلس التعاون لا يجب أن تمر مرور الكرام، فالدروس الكبرى المستفادة منها أوضح من أن تخفى، واللعبة أصبحت مكشوفة للجميع، والمطامع الإسرائيلية التوراتية أصبحت قابلة للتحقق في ظل هذا الوضع العربي البائس، والمخطط الأمريكي أصبح جاهزًا للتنفيذ، وهو زرع الفتنة الأبدية وعدم الاستقرار في هذه المنطقة، ولذلك فإن دول الخليج أمام حالة مصيرية ووجودية عليها الانتباه لها والعمل على توحيد جهودها والاعتماد على نفسها، وأن لا تضع رقابها في يد جزار لا يهمه غير مصالحه وتنفيذ أجندته المشبوهة. ولا أعتقد أن هناك وقتًا أفضل من هذه اللحظة الحاسمة كي تعيد دول الخليج رؤيتها للأمور بعقلانية وواقعية، ففي كل الأحوال ستنسحب القوات الأمريكية، وتنحسر الضربات الإسرائيلية، ولن يبقى في هذا الخليج سوى دوله المتجاورة جغرافيًا (دول مجلس التعاون وإيران)، شئنا ذلك أم أبينا.