كارثة طبيعية !

04 يناير 2026
04 يناير 2026

فاجأني السائق الذي رافقنا في رحلتنا إلى كازاخستان عندما أخبرني بإنجابه سبعة أبناء! وسرعان ما برر الأمر: «الدولة تصرف رواتب لمن لديه سبعة أبناء فأكثر». لم يبدُ لي حديثه عن الأبوة آنذاك كفعل إنساني وإنّما كمكافأة تُبرر تناسلنا البشري اللامحدود!

تذكرتُ حديثي مع السائق وأنا أشاهد في عطلة الأسبوع الفائت، الحلقات العشر من المسلسل المصري «كارثة طبيعية»؛ حيث يُصدم الزوج بأن زوجته -وفي حالة نادرة- تحملُ سبعة أبناء دفعة واحدة في أحشائها، ليغدو الحدث المُغاير للمألوف فرصة مواتية لكشف هشاشة المجتمعات العربية عن تأمين أبسط احتياجات الكائن الذي يشقُ طريقه إلى الحياة: من حفاظ وحليب وبيت دافئ، لا سيما إزاء تهديد الوالدين المنهمكين بفقدان مصدر رزقهما. وعبر الكوميديا السوداء يتحول الإنجاب من وعد بالعيش المطمئن إلى اختبار كابوسي لقدرة العائلة على التماسك.

وكما يبدو من القصتين السابقتين، يُنظر إلى الطفل في الحسابات الاقتصادية، إمّا كمستهلك مُحتمل أو كعنصر مؤثر في استدامة القوة الشرائية!

تذهب سيمونا تيودور في إحدى دراساتها إلى أن قرار الإنجاب لم يعد فعلا عاطفيا خالصا ولا حدثا بيولوجيا معزولا عن حركة الاقتصاد، وإنّما فعل يتأثر بالحوافز المالية التي تقدمها الدولة، من قبيل: إجازات الأمومة المدفوعة، والإعانات النقدية للمواليد، وسياسات دعم الأسرة. ومن هذا المنظور: «لا تخلق الدولة الرغبة في الإنجاب بقدر ما تزيل الخوف المالي المرتبط به». قد تبدو دوافع الإنجاب لدى البالغين مرتبطة بإضفاء المعنى على حياتهم، أو مراوغة خلودهم الرمزي، إلا أنّ قدوم كائن جديد إلى الحياة لم يعد أمرا تلقائيا بسيطا كما كان في حياة أجدادنا. لقد تحول إلى حدث مُثقل بالحسابات، مما يُضاعف مشقة الحياة على زوجين في بداية طريقهما!

مجتمعنا العُماني، لم يعد بمنأى هو الآخر عن شعور مماثل، لأسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية، لا سيما بين الأسر الحديثة من الطبقة المتوسطة. فقد أحدث التغيير العميق في حياة الناس تحولا ملموسا، ناتجا عن الانفصال عن الأسرة الكبيرة والاعتماد على عاملة منزلية، إلى جانب تكاليف الحضانات المرتفعة والوقت الطويل الذي يقضيه الوالدان بعيدا عن البيت. كل هذه العوامل تتضافر لتزيد من صعوبة اتخاذ قرار الإنجاب، في ظل الرواتب المُنهكة والحياة الاستهلاكية المتوحشة!

في مسلسل «كارثة طبيعية» نُرافق نبض القلق العارم وتوجساته وهو يصيب حياة الأبوين منذ لحظة استقبالهما لنبأ الحمل وحتى المجيء المُفاجئ لسبعتهم. يبذلان جهودا خرافية في سبيل ألا يتخليا عن الأبناء، ومع ذلك لا ينجوان من السيناريوهات المتلاحقة إزاء مستقبل محفوف بالمخاطر، وغياب دعم مؤسسات الدولة!

ينظر الاقتصاديون إلى الإنجاب كأداة للنمو، ولإنتاج رأس المال البشري، كشرط لبقاء القوى العاملة، وكمؤثر في حجم السوق الداخلية. وينظرون إلى الكائن الجديد: كعامل، كمستهلك، وكدافع ضرائب. غير أن تشجيع الإنجاب مشروط من وجهة نظرهم أيضا، فمجرد سعينا لرفع الأرقام الإحصائية للمواليد، لا قيمة له في ظل تدهور قطاعات التعليم والصحة والدعم المؤسسي! ففي الظروف غير المواتية ستغدو زيادة المواليد مُولدا لفقر بشري طويل الأمد عوض أن تغدو مُحرّكا طبيعيا للنمو، «ما يجعل السياسات الحكومية عاملا غير مباشر، لكنه حاسم في تشكيل العائلة الحديثة». فعلُ الإنجاب، الذي بَقِيَ لأزمنة طويلة من تاريخ البشرية فعلا غير مُقنَّن، تحكمه النوايا المسبقة أو المصادفات القدرية، غدا اليوم قرارا تتدخّل في اتخاذه -وعلى نحو عنيف- محرّكات الاقتصاد وتمثّلات الثقافة الاجتماعية وسياسات الدولة. ولعلنا نتبصر في «الخريطة الديموغرافية» ملمح سلوكنا وخياراتنا إزاء قرارات من هذا النوع!

من جانب فلسفي، ترى الفيلسوفة ريفكا وينبرغ أن الإنجاب فعل ينطوي على تعريض إنسان لمخاطر الحياة دون موافقته، ما يجعله قرارا أخلاقيا جسيما، لا يكفي الحبّ لتبريره. فالطفل لا يولد في فراغ، بل داخل بنية اقتصادية واجتماعية قد تُضاعف المخاطر المفروضة عليه، ما يفرض علينا إعادة التفكير في الإنجاب كمسؤولية قبل أن يكون حقا بديهيا للآباء!

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»