شهر رمضان.. الخطوة الأولى نحو التغيير

18 فبراير 2026
18 فبراير 2026

اليوم يبدأ شهر رمضان، شهر له ما بعده، يطهّر المسلم فيها قلبه، وذاته من كل أدران الدنيا، يعيد تجديد إيمانه، وعقده مع الحياة، يحاول تغيير خارطة حياته، وجدولة ضرورياته، ومهامه، في محاولة لبرمجة أفكاره، والسيطرة على اندفاعه، وتهوره في سبيل الشهوات، شهر يجردنا من شيطنتنا التي تلبسناها طويلا، وتماهينا أحيانا معها، وغفلنا عن التوقف عن شهوات النفس، حتى أصبحنا نسير دون بوصلة، ودون اتجاه.

شهر رمضان شهر استثنائي، فيه تنقلب حياتنا رأسا على عقب، يتحول الليل نهارا، والنهار ليلا، ويعيد فيها المرء ضبط ساعته (البيولوجية)، وتتغير فيه ساعات العمل، وتتغير حتى عادات الموظفين، فتتوقف عنده جلسات (الحش) في المكاتب، ويضبط فيها الكثيرون ألسنتهم، وكأنهم يعودون إلى الفطرة الأولى، ويتجلى فيه ذلك الإيمان الخفي، الذي ظل محبوسا في داخل القلب، وتظهر علامات التقوى فجأة عند من نسي كبح لجام نفسه في طريق اللهو المفخخ.

في شهر رمضان، يقل (المكياج) لدى المرأة أثناء النهار، وتطول فيه الملابس النسائية، وتحتشم فيه تلك التي لم تكن قادرة على إخفاء شعرها، أو على وضع المساحيق، والألوان المبهرة على وجهها، وكأنها لوحة سريالية، وفي المقابل تطول لحى الرجل، وتقصر ملابسهم، ويمتلئ المسجد فجأة بالمصلين، ويتعرف الجيران على جيرانهم الذين لم يروهم طيلة العام في صفوف الصلاة، وتبدأ الصفوف طويلة، وممتلئة، وتقصر شيئا، وشيئا كلما مر يوم، حتى لا يبقى سوى مجموعة قليلة تصطف خلف الإمام. شهر رمضان ليس مظهرا إيمانيا فحسب، بل هو نظام حياة كامل، يجب فيه أن تعتدل حياة الإنسان، وتصفو فيه جوارحه، ويتعامل مع الآخرين من منطلق السلوك الإسلامي، فلا غيبة، أو نميمة، ولا معاملات تتأخر دون سبب، ولا شتائم توجه كالقنابل دون أي رادع، ولا تعامل مع الآخرين بقلة احترام، ولا هروب من المكاتب، ولا واسطة لقريب، أو حبيب، ولا تشاغل عن المراجعين، ولا صراخ في وجه طفل أو امرأة، فـ (الدين المعاملة)، وهو ما يجب أن يكون في شهر رمضان، وفي سائر الشهور، فالتعامل هو أساس الإسلام كله، فالمظهر الخارجي التزام شخصي، أما الجوهر، وحسن الخلق فهو سلوك اجتماعي، وديني يجب أن يبقى مستمرا، وراسخا في نفوس الناس.

اليوم تبدأ المظاهر الخارجية بالتغير، ولكن يبقى الجوهر الداخلي هو الأساس الذي علينا أن نحافظ عليه دائما، لأنه السلوك الحضاري الذي يميزنا كبشر عن بقية الكائنات الحية، وليكن شهر رمضان بداية التغيير نحو الأفضل، والأكمل، وليس مجرد شهر جوع وعطش، ينتهي بنهاية أيامه. أسأل الله أن يتقبل صيامنا وسائر أعمالنا، ويديم علينا النعم كلها.. وكل رمضان وأنتم إلى الله أقرب.