رمضان في عين الآخر
17 فبراير 2026
17 فبراير 2026
العين التي بها يرى الآخر طقوسنا وشعائرنا وعادتنا وعبادتنا ومعاشنا وأفعالنا، هي عينٌ مختلفة عن منظورنا لأنفسنا، وهي أيضًا عينٌ مشحونةٌ بفكر ومعتقد وموقف، ولا يُمكن أن تُدرك عمق مرائيها بمجرّد العبور على أراضينا أو العيش لأيّام معدودات فيها.
الآخر المختلف في كثير من الأحيان عبّر عن هذا المنظور، ومن نكد قصور الوعي أن نؤمن إيمان المسلّم بمنظور الآخر الغربي خاصّة، صاحب العلم والحلم وسعة النظر، وإن كان رأيه سطحيّا وبسيطًا، فقد صار واجب الوجود في كلّ مبحث نقوم به، وكل درس نؤديّه. رأي المستشرق ورؤيته تلزمه وتلزم وعيًا يحكم بظاهر الأشياء والأفعال، ولا يتعمّق أبعادها وانغراسها في بنية تاريخيّة عقديّة اجتماعية ذاتية عميقة. وعلى ذلك فإنّ شهر رمضان المعظّم، وهو على الأبواب، قد أخذ حيّزا من اهتمام الآخر المختلف، في أدبيّاته وبنائه لتصوّر عن عالم العرب المسلمين.
فبالرغم من وجود الصوم بطرائق مختلفة في عدد من الأديان السماوية وغير السماويّة إلاّ أنّ الانقطاع عن الأكل والشرب في واقعٍ إسلامي يغلب عليه الحرّ الشديد لساعات طوال أمر جلب أنظار المستشرقين، وصرفهم إلى الانبهار بهذا الفعل من جهةٍ، والعمل الأنتروبولوجي على وسْم حياة العباد في هذا الشهر وبيان تفاصيل مأكلهم ومشربهم، وعبادتهم، وتحوّلهم إلى حياة الليل وإلى تغيير عادات الطعام وعادات الحركة والإكثار من العبادة والصلاة وقراءة القرآن، غير أنّ وجوهًا أخرى جلبت عين الرائي الغربيّ ودفعته إلى سرد أحوال الناس وهم عطشى وجياع، ومن المستشرقين الذين عايشوا الشهر وأهلَه في مدينة القاهرة الرحّالة الإيرلندي رتشارد بيرتون الذي زار مصر والحجاز، ودوّن رحلته في كتابه المعنون بـرحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، وهو يخصّص فصلا لبيان أثر شهر رمضان في الناس، مبينًا التحوّل الحاصل بحلول الشهر المبارك، الذي يلتزم فيه أصحاب الجرائم والفسوق، ويقبل الناس على الصلاة والعبادة، كما يُقبلون على تأثيث الليالي الرمضانية بسهرات جامعة بين العبادة والفكاهة، غير أنّ عينه تظلّ عين الغربيّ، فيغلبه ذهن المستشرق المتعالي، المراقب، فهو -مثلا- يعتمد على أثر الصوم على جمع من الناس يُصاحبهم في رحلته ليُطلق أحكامًا من الصعب تعميمها، يصف شدّة شهر رمضان على صحبه، فيقول: «المشكلة الكبيرة أن هذا الشهر الفضيل يجعل المسلمين غلاظ الطبع، غير متّسمين باللطف، وذلك بسبب امتناعنا عن الطعام والشراب، بل وامتناعنا عن ابتلاع ريقنا عمدا طوال ست عشرة ساعة وربع الساعة»، ولعلّنا ننتبه أنّه يُطلق الحكم على المسلمين عامّة لا على فئةٍ منهم، وهو ما يُسقطه في أخطاء العقل الناتجة عن التعميم، ولعلّ من أطرف المشاهد التي أعمل فيها الرحّالة عينه، ورأى شهر الصيام من منظور مختلف، راقب حال العباد، في مصر، ركّز على تغيّر سلوك النّاس بدرجاتهم المختلفة وأطيافهم المتنوّعة رجالا ونساء وأطفالا، فأثر الجوع والعطش مغيِّر في منظوره لسلوك العباد، إذ تعمّ الفوضى ويسود الشجار، وتُملأ السجون، وتتحوّل الحياة إلى عبوس وفوضى، يقول: «فالرجال يلعن بعضهم بعضًا، ويضربون النساء، أمّا النسوة فيلطمن الأطفال ويُسئن معاملتهم، أمّا الأطفال فهم بدورهم يتضرّعون ويعاملون القطط والكلاب بقسوة.
وقلّما تستطيع أن تقضي عشر دقائق في أيّ حيّ بالقاهرة دون سماع منازعات عنيفة، فالكراكونات أو المخافر مليئة بالسادة الذين ضربوا نساءهم ضربا مفرطا، كما أنّه مليء بالنسوة اللاّئي خربشن أزواجهن بل وعضضنهم بل وجرحن أبدانهم، والمساجد غاصّة بالنّاس العابسين المتذمّرين يتربّص كلّ منهم بالآخر مع أنّهم يسيرون في طريق يرضون به اللّه».
والحقّ أنّ تصوير هذا المشهد حامل لوجه من الصدق في بعض البلاد العربيّة، في مظاهر الصيام الشعبيّ العامّ، غير أنّه لا يُمثّل حكمًا عامّا، ودليل ذلك أن الرحّالة المستشرق نفسه يصف مشهدًا للصوم مختلفًا في بلاد الحجاز، التي يعمّ الهدوء الصائمين فيها، وتغلب عليهم السكينة، ويعجب من قوّة عزائم الصائمين، وإصرارهم على مغالبة الجسد في حرارة قاتلة وصحراء مميتة، وهو يفصل في ذلك بين صوم أهل الحضر وصوم أهل الوبر، فبقدر ما يحرض أهل الحضر على الالتزام بالصوم شعيرة أساسًا وأداءً تامّا، بقدر ما يميل أهل الوبر إلى الليونة والسهولة، وحجّتهم أنّهم جوعى أساسا وعطشى أساسًا، وهم صائمون كلّ الدهر إكراهًا.
لقد عمل بيرتون على إعمال عين المستشرق الذي داخل المسلمين وعاش حياتهم وصام صومهم وصلّى صلاتهم ومارس طقوسهم، فتمكّن بذلك من تقديم صورة عن حال الصيام في مصر والحجاز أواسط القرن التاسع عشر، وهي المرحلة نفسها التي صوّر فيها المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين الذي أقام في مصر مددا طويلة وعاش مع الناس واكتسب اللسان العربيّ، وقد ساهمت خلفيّته البريطانية في توجيه عين السّارد أخلاقيّا وطقسيّا وانضباطًا اجتماعيّا، وهو يسرد حياة الناس في شهر رمضان في القاهرة، ويصف الوجوه الشاحبة والملامح العابسة، والأسواق ووفرة التجارة فيها، وإقبال الناس على المساجد، ويخصّص وجها من الحديث إلى شخصية المسحراتي وإلى مدفع رمضان وإلى الحياة الليليّة الثريّة، وهو يرى أنّ صوم رمضان، هو مناسبة للمسلمين للتطهير السنويّ من ممكن أفعال السّوء، واختبار لمقاومة شهوة الجسد.
صورة الصيام الذي يقلب طباع العباد، ويغيّر من أمزجتهم ومن طبائعهم، ويُقيم الفوضى، بسبب الانقطاع عن الأكل والشرب، هي صورةٌ جدّ ضيّقة وآنيّة ومحدودة بالزمن والمكان والطبقة الشعبيّة، فعين الرحّالة السّارد لأحوال الناس وهم صائمون، تلتقط من المشاهد ما بدا لها غريبًا عجيبًا، ولكن هنالك جوانب أخرى عباديّة ومغيّرة لأحوال الناس إيجابًا لا تسترعي انتباه الرحّالة السّارد أحيانًا، تبقى عين الآخر مشحونة، ترى من خارجٍ وإن تعمّقت حياة المسلمين.
