(عبود).. العزف على وتر الألم الإنساني
ناقش العديد من الأفلام السينمائية ثنائية الحرب والسلم، وفي مقتبل حياتنا، عندما كانت الحرب بالنسبة لنا صورا، ومقاطع فيديو، وأفلاما، وروايات، قبل أن نعيشها ميدانيا، كثيرا ما كانت تستهوينا أفلام الحروب، لما فيها من (أكشن)، وتعزيز لقيم البطولة والشجاعة، وحين كبرنا صارت الحروب تشاركنا يومياتنا، فنشرات الأخبار تكاد لا تخلو من ذكر أنباء الحروب، وغالبا ما تعرض لنا القنوات الإخباريّة مشاهد من حروب تقع في أنحاء متفرقة من العالم، فصرنا ندير ظهورنا لمثل هذه الأفلام، فحياتنا عموما لا تخلو من (الأكشن)، والفائز في حروب اليوم ليس الشجاع، أو البطل، بل الذي يجيد التعاطي مع التكنولوجيا، ويحرّك الآلة، فلكلّ إنسان في كلّ عصر وسائله في الدفاع عن نفسه، والهجوم على عدوّه.
ورغم معرفتنا أنّ للأفلام السينمائية التي تناولت الحروب دورا في إظهار بشاعتها، وتؤكّد هذه الأفلام أنّ خلاص البشرية يكمن في السلام، وهذا ما رأيته في فيلم (عبود) الذي كتبه وأخرجه مسعود رسام، فقد عزف على وتر الألم الإنساني المشترك.
يبدأ المشهد الأول بلقاء الطفل (علي رضا) وهو في الطريق إلى منزله بطفل يبكي، وحين يسأله عن سبب بكائه نطق بلغة لا يفهم منها سوى أنها لغة غريبة غير مفهومة بالنسبة له، وبعد محاولات معه فهم أنه طفل تائه عن ذويه في مكان لا يفهم لغته، وعرف أن اسمه هو (عبود)، ويجد صعوبة في التواصل مع المحيط، فيعطيه نصف رغيف خبز، وفي اليوم التالي، ولم ينته الأمر عند هذا كما ظنّ، فعندما ذهب للمدرسة صباحا وجد الطفل في مكانه، فتألّم له، واصطحبه معه إلى المدرسة، مدّعيا أنه ابن خالته، فتحدث له مشكلة مع وكيل المدرسة، الذي يرفض دخول الطفل الغريب إلى الصف، ويضطرّ إلى مغادرة المدرسة إلى البيت، والطفل معه، فتفاجأ الأم به، ثم تتقبّله حين تعرف حكايته، وتطلب من ولدها إبلاغ المخفر، لكنه يرفض خوفا من أخذه، وشيئا فشيئا يصبح فردا من أفراد العائلة الصغيرة التي فقدت الأب في الحرب، وبقي اختلاف اللغة يشكّل عائقا في التفاهم، فتحلّ لغة الإشارة محلّ النطق، ويعرف (علي رضا) من معلم اللغة العربية أن (عبود) ينتمي لدولة مجاورة، فقد والده حياته في الحرب معها، ويهجم عليه، ثأرا لوالده، دون أن يعلم (عبود) سبب هجومه ذلك، لكن معلّمه يفكّ الاشتباك، ويفهمه أن (عبود) هو أيضا ضحية من ضحايا الحرب، وما نزوحه إلّا بسبب إصابة والده في الحرب إصابة بالغة، فنقل إلى إيران لتلقّي العلاج في المستشفى، وخلال ذلك وجد (عبود) نفسه ضائعا في الطريق، ويتفهم (علي رضا) ذلك، وتستمرّ حياتهما في البيت، بعلم مركز الشرطة، حتى يتمّ عثور (عبود) على ذويه، وخلال ذلك كانت كوابيس الحرب تقضّ مضجعه، ويتواصل البحث عن أسرته، حتّى تتمّ معرفة اسم المستشفى الذي يتلقّى والده العلاج به، لكن يكون الأوان قد فات ويموت الأب، وفي مشهد شديد القسوة يحاول (علي رضا) أن يخبر (عبّود) أن والده توفّي وأنه صار يتيما مثله، ولكن كيف ينقل إليه هذا الخبر الفاجع من دون معرفته للغة يتفاهم بها معه، وهنا نرى براعة الأداء للطفل الموهوب (محمد شاداني) الذي أدّى دور (علي رضا)، فيحاول أن يوصل المعلومة بالإشارات، فيحدّثه من خلالها عن والده، وبسالته في القتال، مستخدما لعبة على شكل بندقية بلاستيكيّة، فيسحب (عبود) البندقية التي تذكّره بالحرب، ويدوسها بقدميه، وهو يصرخ، في إشارة تدين الحروب، وصنّاعها، ويتصاعد إيقاع المشهد، فيجد (علي رضا) الفرصة سانحة، ليقول له (أبي في السماء وأبوك أيضا صار في السماء) فيطلق (عبود) صرخة مدوية، فيحضنه (علي رضا) ويبكيان، في مشهد نفّذ بطريقة مؤثّرة، وينتهي الفيلم بوصول عمّ (عبود) إلى بيت (علي رضا) فيصطحبه معه، وسط بكاء الأم والطفل (علي رضا) الذي يبقى مع معلمه الذي يحدّثه عن الألم المشترك الذي يجمع البشر.
أهم ما يلفت في الفيلم العفوية في أداء الأطفال، وخصوصا الطفل علي رضا (محمد شاداني)، وكذلك البساطة في التعبير، ولعبت المؤثّرات الصوتيّة دورا في شدّ المشاهد إلى الشاشة، نجح المخرج في صناعة فيلم قائم على البلاغة في الصورة معتمدا على لغة الكاميرا، فقدّم وثيقة إنسانية تدين الحروب، عاقدا الأمل على الجيل الجديد الذي شهد مآسيها مبرزا حاجة البشرية إلى العيش في مجتمع آمن يسوده السلام.
