ذلك اللقاء لن يحدث أبدًا

18 يناير 2026
18 يناير 2026

الثلاثاء، 22 مايو 1993، مسقط

اليوم، مكالمة دوليَّة طويلة من «م. ع». لا أعرف كيف حصلت على رقم هاتفي، ولم أسألها عن ذلك فالأمر ليس عسيرًا عبر أحد المعارف المشتركين. صوتها، بعد سنوات طويلة، كان كعادته جميلًا، وحنونًا، وحريريًّا، وغير خالٍ أبدًا من حسِّيَّة خجول (الراجح أنها غير مقصودة أبدًا). كان لا بد من «تبرير» الاتصال (هكذا نفعل جميعًا في مكابرات ساذجة ومفضوحة)؛ فقالت إنها تتصل كي تبارك لي «إنجازاتي» التي قرأت عنها في الصحف (والحقيقة هي أن تلك «الإنجازات» تظل ركيكة وتافهة إذا ما قورنت بسماع صوتها الذي جاءني لآخر مرة قبل سبع سنوات). تبادلنا كلامًا فيه ما يكفي من التَّظاهر، والمجاملات الرَّعناء والغبيَّة.

كانت آخر مرة التقينا فيها وجهًا لوجه في 1984، وقبل ذلك اللقاء بليال قليلة كنت قد قطعت -من دون أن أعي- حوالي عشرة كيلومترات خوضًا في أمواج الشاطئ التي كانت تغطيني إلى الرُّكبتين وأنا أفكر بها. لم تكن سيارتي قادرة على قطع مسافات طويلة، فاستعرت سيارة سالم علي (أبو طفول) -الأوفر حظًّا من ناحية الصِّحة الميكانيكيَّة- للسفر. لم أفهم أي شيء أو أي رسالة في انفجار ثلاث من عجلات السيارة خلال الرحلة في الذهاب والإياب، بل أني أرجعتُ ذلك إلى السرعة العالية في القيادة. وكان آخر تواصل بيننا قد حدث في مكالمة اطمئنانيَّة منها في 1986، في إثر نشر الصديق الكاتب محمد حسن الحربي مقالة معلِّقًا فيها، ومتضامنًا، وغاضبًا بخصوص خبر فعلت ما في وسعي للتَّكتم عليه كي لا أثير قلق أحد: الاعتداء علينا -أحد زملاء الدراسة العُمانيين وأنا- من قبل أعضاء في «الجبهة الوطنية» اليمينيَّة المتطرِّفة، أو أنصار لها، في كابينة هاتف عمومي في سوستن/ كيمبريدج، وذلك في سياق «شوفينيا» التهاب وتأجج مشاعر كراهية العرب في بريطانيا المتسق مع الموقف البريطاني الرسمي المتواطئ بصورة صارخة مع العدوان الأمريكي على ليبيا في إبريل من ذلك العام (في الحقيقة، الطائرات الأمريكيَّة التي ضربت ليبيا أقلعت من قاعدة في بريطانيا).

كانت، إذ ذاك، قد تزوجت أو أنها كانت على وشك الزواج، من دون أن تخبرني. وكانت تقول كلامًا واضحًا ومفهومًا عن ضرورة اهتمام المرء بسلامته الشخصيَّة في بلاد معادية مثل بريطانيا، ثم تضيف كلامًا غامضًا، خارج السِّياق تمامًا، عن اللهفة والاشتياق. وبعد ذلك تنتقل، على حين غرّة، إلى موضوع آخر هو ضرورة عدم تبديد المصروف الدراسي المتواضع في إجراء مكالمات هاتفيَّة دوليَّة. لكني قلت لها إن المكالمة التالية ستكون صادرة مني، وهذا ما لم يحدث، على الرغم من أني فعلًا كنت أود الاستماع إلى صوتها والاطمئنان عليها وعلى كتاباتها الناضجة الأفضل من محاولاتي بكثير.

واليوم، جاء صوتها اليوم جميلًا، وحنونًا، وحريريًّا، وغير خالٍ أبدًا من حسِّيَّة خجول، كعادته. قالت إنها تود أن تراني، وستتواصل بالهاتف قريبًا كي نحدِّد مكانًا وزمانًا للقاء في بلادها. اقترحت عليها إمكانيَّة أخرى هي زيارتي هنا في مسقط، لكنها ردَّت بأن هذا متعذر، وأنا تفهمت ذلك من دون أدنى صعوبة. وبين مزاح وجد تأملنا في إمكانيَّة ثالثة هي اللقاء «في آخر جزيرة في العالم».

انتهت المكالمة عند ذلك الحد، ولكن كان حدسي هو أن ذلك اللقاء، في أي مكان من العالم، لن يحدث أبدًا (*).

---------------------------------------

(*):

1. منذ تلك المكالمة لم أسمع صوت «م. ع»، ولم أبادر إلى الاتصال بها بدوري، ومن نافلة القول أني لم أرَها على الإطلاق. لكني أتابع بحزن وحسرة ما يتاح من أخبار حول انقطاعها الكامل عن العالم.

2. في نفس يوم اتصالها الهاتفي الذي ورد في مسقط، كتبت النص التالي الذي ظهرت، لاحقًا، في مجموعتي الشِّعريَّة «ليلميَّات» (صدرت الطبعة الأولى منها عن دار الجديد، بيروت، 1994، والثانية عن دار الانتشار العربي، بيروت، 2015)، والتي تشكِّل تواريخ كتابة نصوصها عناوينها. أورد ذلك النَّص بطريقة مضغوطة التَّقطيع هنا:

«الثلاثاء، 22 مايو 1993، مسقط

«م. ع»، أنتِ يا التنهيدة العميقة التي تَحِلُّ بصدر الأرض بعد كل غروب: هذا النص إليك، إليك، إليك:

«اليوم/ وبعد كل تلك السنوات/ هاتفني حبي القديم/ حبي القديم الذي لا تعرفون/ حبي القديم الذي كلما هوَتْ رأسي على قلبِ أخرى/ طار وجيب جمجمتي إلى نبض صدره/ كلما أخذتني عينان أُخريتان/ رأيته/ حبي القديم الذي كلما أغرقتني ذراعان أخريتان/ احتضنته/ كلما شربت ماء أو خمرة تذكرته/ كلما نمت أو أفقت/ تذكرته/ اليوم/ هاتفني حبي القديم/ حبي القديم الذي ما أنستني السنوات/ فقأ اسمي/ قضم كبدي/ وآهٍ/ أطعم لحمي كلاب الطرقات/ اليوم/ هاتفني حبي القديم/ حبي القديم الذي نامت لياليه على وسادة/ غير زندي/ وأطلقت ضحكات زنده دغدغاتٍ/ غير أنفي وأسناني/ حبي القديم حتى أنام في الأديم/ اليوم/ هاتفني حبي القديم/ بلَّل أصابعي وأذني وخدي وعنقي بكلماته/ تصَّدعت روحي كما عندما للمرة الأولى رأيته/ جُنَيْنَةً جِنيِّةً تصعد في استراق السمع لحديث السماء/ والهفي يا حبي القديم/ حتى أنام في الأديم/ لكني بعد أن أخذ الصمتُ الصوت/ سمعتُ نواح الماء والكلام/ فأقفلتُ الباب/ وانتحبتُ/ لأن حبي القديم/ ماتَ/ منذُ/ كل/ تلك/ السنوات».

3. في يوم الاثنين، 20 فبراير2012، توفي على نحوٍ مفاجئ/ متوقَّع واحد من أعز وأغلى أصدقاء العمر، الشاعر والكاتب متعدد الإنتاج في الحقول الإبداعية المختلفة أحمد راشد ثاني (وكنَّا قد تهاتفنا لآخر مرة قبل أيام قليلة فقط من رحيله الصَّادم). في أربعينيَّة رحيله الفاجع، أقيمت في النادي الثقافي في مسقط أمسية تأبينيَّة شاركتُ فيها بشهادة، ومما ورد في شهادتي تلك: «بلى، يا من كنت تنادي بضرورة الكشف والفضح وأهميَّة عدم توافر الكاتب إلا على الحد الأدنى من الأسرار، سأبوح الليلة علنًا بما لا يعلمه إلا قلّة من أصدقائنا المقرَّبين. بلى، فقد اشتركنا ذات شباب في عشق نفس تلك المرأة التي قرية من غيوم وفَراش وعسل ونبيذ أشبه ما تكون بها، إذ كانت ولا تزال أرواح وقلوب ثلاثتنا تعاني من نفس البصمات الحرجة للسُّحب. حدث ذلك في الصَّمت والسر. لكن حدوس الحب الغامر، والخوف الداخلي العميق، والغيرة المميتة، كانت تندلق من عيوننا ومساماتنا ونبرات صوتينا المُقَنَّعة بكل إمكانيَّات الفشل كلما ورد اسمها في أي حديث بيننا (أظن أن أحمد يحبها أيضًا. أظن أن عبدالله يحبها أيضًا). لذلك كان لا بد أن تسوقنا الأشياء إلى ليلة صادف أن كانت مقمرة على تلَّة رمليَّة ثملة إلى جانب الطريق بين دبي وأبوظبي من باب التَّيقن من أسوأ المخاوف. «عبدالله، تراه فاض بي، وأبى أقول لك شي بس بشرط بيني وبينك». «قول»! «ياخي أنا أحب فلانة»! «أحمد، تراه أنا فاض بي وأبغى أقول لك شي بس بشرط بيني وبينك». «قول»! «ياخي أنا بعد أحب فلانة»! عندها هدَّد كل منا الآخر بالقتل الساحق الماحق الأكيد المؤكد فورًا.

ولأنه لم يكن لدى النجوم التي كانت تصغي للحديث سكاكين أو مسدَّسات، فقد تخلينا عن مشروع القتل، واستعضنا عنه بالعناق والانتحاب طويلًا كما ينتحب الأطفال. بعد سنوات من تلك الليلة، هي أصيبت بما هو أكثر قليلًا من الاكتئاب الإكلينكي الحاد والصمت الكامل اللذين أوصلاها إلى المصحة. ومؤخرًا أصبتَ أنت بقليل من الموت الذي أوصلك إلى الماء. أما أنا فقد أصبتُ بكل الفقد الذي أوصلني الليلة إلى هذه القاعة» (لاحقًا، نشر النص الكامل لهذه الشهادة إلى جانب كلمات تأبينيَّة أخرى في كتاب سعيد سلطان الهاشمي وعبدالله حبيب «يوم طار شَلِّ السَّمر كلّه: تحية حب عُمانيَّة لأحمد راشد ثاني» (دار سؤال للنَّشر، بيروت، 20144). أما صديق العمر الآخر سالم علي (أبو طفول) فقد ارتأى أنه لم يعد قادرًا على تحمل مفارقات، وأحزان، وأوجاع هذا العالم؛ ولذلك التحق بدوره بأحمد راشد ثاني إلى ذلك «المكان الذي لا يعود منه أحد»، حسب تعبير شكسبير، وذلك في يوم الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2021. (ثلاث حواش أضيفت إلى المتن في يوم السبت، 3 يناير 2026، مسقط).

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني