«دختر طومس».. الرجل الأعجوبة
24 مايو 2026
24 مايو 2026
في بحثي الشخصي عن التاريخ الاجتماعي للجذام التقيتُ رجلًا يناهزُ الثمانين أُصيب بالمرض في طفولته، فشدَّ رحاله من الباطنة إلى مطرح ليلتقي بالطبيب «طومس». وبعد أن تشافى واستبدّ التشوه بجسده عرض عليه «طومس» أن يعمل معه؛ أن يُعينه في تنظيف العيادة ومناداة المرضى لقاء أجرٍ زهيد. كان مفتاح العيادة في يده يفتحها كل صباح قبل أن يصل الجميع. وقد أخبرني الرجل أنّ الوالي كان يُصرّ على إحاطة بيت الطبيب بالحراسة، غير أنّ «طومس» كان يرفضُ ذلك من فرط حبه للعُمانيين واطمئنانه إليهم.
تذكّرتُ ذلك الرجل وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي «الدختر طومس» الذي دشّنته وزارة الإعلام مؤخرًا، والحقيقة أنّني تأثّرتُ على نحوٍ بالغ بقصّته الآسرة. ورغم أنّ الفيلم استند إلى شهادات أفراد من عائلته وعدد من الباحثين وإلى الممرّض الذي ظهر شاهدًا على التجربة، فإنّني تمنّيتُ حقا لو أُفسح هامشًا -ولو ضئيلًا- لشهادات العُمانيين الذين نالهم شيءٌ من عنايته؛ لا سيّما أنّ بعضهم لا يزال على قيد الحياة.
وإن كانت اللقطة الأولى -حيث تدفع ممرضةٌ مريضًا في مستشفى حديث- لا تخلقُ اشتباكًا شعوريًا كافيًا، فإنّ اللقطة التالية حين يمضي طومس الابن ممسكًا بيد والده وناظرًا إلى مرضى الجذام المُبعدين تُشكّل افتتاحًا حاذقا يُوحي بأنّ الفيلم سيبني نفسه تدريجيًا ليبلغ غايته تلك. فقد شكّل ذلك المشهدُ المُحرّض، الدافع لعودته مجددًا إلى عُمان 1939 لتغيير مسار الحكاية؛ بعد أن درس الطب في بلاده، وهو يدركُ تمامًا المشقّة التي تنتظره. ورغم ما تشيرُ إليه الكتابات من خلفيةٍ تبشيرية؛ فإنّ الفيلم قدّمها من دون نبرةٍ سجالية مُبرزًا عمق الدافع الإنساني للطبيب في مقابل تمسّك العُمانيين بمعتقداتهم.
ولو نالت المقاطعُ المُمثَّلةُ القدرَ نفسه من العناية التي حظيت بها المادةُ التوثيقية لكان الفيلم أكثر حيويةً وثراءً؛ إذ يشعرُ المشاهدُ أحيانًا بقطيعةٍ بين الزمنين لا سيّما حين تخفتُ العلاماتُ البصرية للمرض في هيئة المرضى وملابسهم، إلا أنّ الحوار بين الأب وابنه، وما انطوى عليه من يقينٍ مُبكرٍ بدورِه في التغيير هو ما منح البداية تماسكها الدرامي.
انطلق الفيلم من بدايات القرن العشرين حين وصل طومس الابن برفقة والده الطبيب شارون طومس وعائلته إلى ولاية مطرح عام 1909 في زمنٍ كانت فيه عُمان ترزحُ تحت وطأة الأوبئة المعدية وغياب المستشفيات.
ولعلّ أكثر ما لقي الاستحسان هو التضافرُ اللافت بين البعد التاريخي لعددٍ من الباحثين العُمانيين، وشهادات أفراد من عائلته: ديفيد ديكسون زوج ابنته ومؤلّف سيرته، وابنيه: لويس ونورمان. فقد بدا حديثهم كقطع «الليغو» التي ترسم ملامحه الإنسانية بعيدًا عن جفاف السردية التاريخية؛ فتحدّثوا عن قربه من الناس وإتقانه العربية، حتى إنّه كان يناديهم بـ«أمي وأبي وأختي وأخي وولدي وابنتي»، ولم تغفل ابنته لويس استعادة رحلتهم إلى نزوى حين قصدوا بيت الإمام محمد بن عبدالله الخليلي أثناء إصابته بالنزول الأبيض، فكانت تمسك الإضاءة فوق رأسه أثناء العملية. إلى جانب إبراز علاقته بالسلطان سعيد بن تيمور، بما يعكس مكوثه بين البسطاء وسادة الحكم في آن.
ورغم أنّ المقاطع التمثيلية القصيرة المصوَّرة في سوق مطرح وقلعة نزوى ورحلة ظفار بدت الحلقة الأضعف، فإنّ حضورها ظلّ محدودًا قياسًا إلى ثراء المادة الأرشيفية. فصوت طومس -وهو يروي قدومه إلى عُمان عام 1939 مع زوجته وأبنائه الأربعة ووصفه لجغرافية البلاد وعاداتها مدعومًا بصورٍ ولقطاتٍ توثّق حالة المرضى والأمكنة- أكسب الفيلم قيمة لا تُنكر.
في مستشفى لا يضمّ سوى خمسين سريرًا، وفي زمنٍ كان الناس يعتمدون فيه على طبّهم الشعبي، لا يجدون من ينقذهم من التراخوما، أو من البعوض الناقل للملاريا، أو من الأهداب المصوَّبة إلى مقلهم.. يقفون في طوابير انتظار طويلة أملًا في النجاة. هو ما جعل هذا الرجل يبدو أقرب إلى الأعجوبة؛ إذ استطاع أن يُعالج أكثر من تسعين ألف مريض في العام الواحد.
امتلأ مسرح وزارة الإعلام عن آخره، كما حدث سابقًا مع عرض «بيت العجائب» في دار الأوبرا، كدلالةٍ واضحة على التعطّش المتزايد للإنتاج البصري، لا سيما ذلك الذي يزيح غلالة الغموض عن شخصياتٍ وأحداث لا تُنسى. فبينما يوقظ الفيلم حنينَ من عايشوا «دختر طومس» أو سمعوا عنه فإنه سيفتح للأجيال الجديدة فسحةً للتعالق مع تاريخها وأسئلتها.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
