الغسيل المؤسسي..

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026

تلجأ بعض المؤسسات والوحدات إلى مكاتب خارجية تبيع «أقنعة الجودة» لتغطية بعض أوجه القصور والإخفاق العملياتي.

تشتري هذه الجهات شهادة أو درعًا دوليًا من «السوق الرمادية» لضرب عصفورين بحجر واحد: طمأنة المسؤول الأعلى، وإقناع المواطن بتقديم خدمات وفق معايير عالمية.

هي عملية هروب إلى الأمام عبر تسويق ألقاب وتصنيفات تجارية تحمل أسماء باللغة الإنجليزية، وتقديمها للرأي العام كـ«إنجاز تاريخي غير مسبوق».

إن الأموال التي تُدفع لهذه المكاتب التجارية تحت مسميات «باقات الرعاية» أو «رسوم الفوز بالجوائز» هي أموال تُقتطع مباشرة من الميزانيات التشغيلية للمؤسسات، وهي مبالغ كان الأجدى بها أن تُوجّه لتطوير الخدمات الفعلية.

ولمواجهة هذا «الغسيل المؤسسي» وإعادة الانضباط للحوكمة، يُقترح تطبيق استراتيجية علاجية متكاملة تقوم على: أولا: إصدار قائمة بيضاء للجهات المعتمدة؛ فيوضع دليل رسمي بجهات الاعتماد الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة، ومؤسسات التصنيف الكبرى التي تعتمد على بيانات مفتوحة ومستقلة.

مع التمييز الدقيق بين الرسوم الفنية للتدقيق المستقل Audit Fees التي تتقاضاها جهات مرموقة، وبين نموذج «ادفع لتفوز» Pay-to-Win الذي يرهن الجائزة بالدعم المالي أو الإعلاني.

ثانيا: إعادة هيكلة منظومة التقييم بربط تقييم المؤسسات والقيادات بمؤشرات أداء وطنية حقيقية ومتوازنة تجمع بين المؤشرات الصلبة Hard KPIs مثل: كم قضية أُنجزت؟ وكم مريضًا عُولج دون قوائم انتظار؟ وبين مؤشرات الجودة والأثر الأفقية، مع استبعاد تام للجوائز المشتراة من ملفات التقييم الرسمية.

التدقيق المالي والامتثال؛ بتكليف أجهزة الرقابة المالية بفحص بند المصروفات الإعلامية والعلاقات العامة، ومساءلة أي جهة يثبت دفعها أموالًا عامة مقابل ألقاب أو جوائز رمادية. إلى جانب تفعيل لجان الامتثال Compliance لإلزام المؤسسات بلائحة تمنع الترشح للجوائز التي تشترط شراء باقات إعلانية.

الشفافية المشروطة؛ ففي حال أعلنت أي مؤسسة الحصول على تصنيف متميز تلزم بأن تنشر تقرير التدقيق الفعلي كاملًا، موضحًا المعايير والأرقام الحقيقية التي قُدّمت للجهة المانحة، لتكون متاحة للمراجعة العامة.

الرقابة المجتمعية والإعلام الاستقصائي عبر تحفيز النخب والمختصين في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الوطني لكشف حقيقة الجهات المانحة التجارية التي لا قيمة علمية لها.

ثالثا: منصة التقييم المباشر؛ وذلك بإصدار تعميم رسمي يوقف المشاركة في الجوائز غير الرسمية بالتوازي مع إطلاق منصة رقمية مستقلة لاستقبال تقييمات المواطنين وحساب رضاهم وفق خوارزميات علمية تُحيّد «انحياز السلبية»، وتُعرض نتائجها مباشرة على لوحات تحكم جهات الحوكمة والرقابة بدون رتوش.

إن التقييم الحقيقي يُكتب في أروقة المؤسسات المحوكمة، وعلى ثغر المواطن المستفيد من الخدمة.