اقتصاد الاستنزاف الصامت

01 سبتمبر 2026
01 سبتمبر 2026

كان التمييز بين الضروريات والكماليات واحدًا من أكثر البديهيات وضوحًا في حياة الأفراد والأسر، وإن اختلف تصنيفها باختلاف الدخل والحاجة والقدرة على الشراء.

فقد ظل الخط الفاصل بين ما لا تستقيم الحياة من دونه وما يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه واضحًا إلى حد بعيد. وكانت أولويات الأسرة التقليدية، في معظم المجتمعات، تتمحور حول توفير مسكن مناسب، وشراء سيارة، وسداد فواتير الخدمات، وتأمين نفقات التعليم والعلاج، ثم ادخار ما يتبقى لمواجهة المستقبل.

أما اليوم فقد أصبح ذلك الخط أقل وضوحًا، وتداخلت الضرورة مع الرغبة، حتى تحولت أشياء كثيرة كانت تُصنف قبل سنوات ضمن الكماليات إلى نفقات ثابتة يعتقد الفرد أنه لا يستطيع الاستغناء عنها.

ولم يعد كثير مما كان يُنظر إليه في الماضي بوصفه ترفًا أو إنفاقًا زائدًا عن الحاجة يحتفظ بمكانه القديم في قائمة الكماليات؛ فقد انتقل تدريجيًا إلى صميم الحياة اليومية، وأسهم في بناء قطاعات اقتصادية عالمية ضخمة.

ولم يحدث هذا التحول؛ لأن احتياجات الإنسان الأساسية تغيرت وحدها، بل لأن المنتجات والخدمات الحديثة أصبحت تصنع له حاجات لم يكن يعرف من قبل أنه يحتاج إليها.

ففي كل يوم تظهر خدمة تعده بحياة أكثر سهولة، ومنصة إلكترونية تمنحه مزيدًا من الترفيه، وجهاز أكثر تطورًا، واشتراك في تطبيق أو خدمة لم تكن موجودة أصلًا في قائمة احتياجاته. وتحولت هذه الكماليات، بمرور الوقت، من خيارات يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها إلى احتياجات تبدو ضرورية، ومن نفقات عابرة إلى التزامات ثابتة تقتطع نصيبًا من دخل الأسرة كل شهر.

ولتقريب الصورة أكثر، تكشف بعض الأرقام حجم الإنفاق على قطاعات كانت تُصنف في الماضي ضمن الكماليات. فقد أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «ديلويت» أن الأسرة الأمريكية المشتركة في خدمات بث الفيديو تنفق عليها ما متوسطه 69 دولارًا شهريًا، أي نحو 828 دولارًا سنويًا.

كما ارتفع عدد المشتركين في خدمات بث الموسيقى المدفوعة عالميًا إلى 837 مليون مشترك في عام 2025. ولا يتوقف هذا التحول عند الترفيه؛ فقد بلغت قيمة سوق توصيل الطعام عبر الإنترنت نحو 320 مليار دولار في العام نفسه، وفقًا لتقديرات مؤسسة «فورتشن بزنس إنسايتس».

وفي سوق الأجهزة، تشير تقديرات مؤسسة البيانات الدولية إلى شحن نحو 1.25 مليار هاتف ذكي حول العالم خلال عام 2025، وهو سوق تغذيه، إلى جانب المستخدمين الجدد، الرغبة المستمرة في استبدال الأجهزة واقتناء الطراز الأحدث.

وتدل هذه الأرقام على تنامي نمط حديث من الاستهلاك الفردي والأسري، وعلى نشوء اقتصاد غير تقليدي يقوم جانب كبير منه على منتجات وخدمات كان يُنظر إليها بوصفها ترفًا أو إنفاقًا زائدًا عن الحاجة.

ويغذي هذا الاقتصاد إقبال الأجيال الجديدة على شراء هذه المنتجات والاشتراك في خدماتها، إلى جانب التسهيلات التي تقدمها شركات التمويل والدفع، والتي تتيح تقسيط أثمان سلع بسيطة على أشهر أو سنوات.

كما أسهم انتشار الاشتراكات الشهرية في تحويل الكماليات من مشتريات عابرة مرتبطة بوجود فائض في الدخل إلى نفقات ثابتة تحتل مساحة متزايدة من ميزانية الفرد والأسرة.

وهذا يقودنا إلى مفارقة جوهرية؛ فرغم ارتفاع دخول الأفراد والأسر في كثير من المجتمعات، فإن نمو الاستهلاك الحديث أصبح يسبق نمو الدخل. ولذلك يمتلك الإنسان المعاصر سلعًا أكثر، ويتمتع بخدمات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، لكنه يشكو في الوقت نفسه من غلاء المعيشة، وقلة المدخرات، وتراكم الديون والأقساط الشهرية.

ولا يعود ذلك إلى هذا النمط الاستهلاكي وحده، إلا أنه يضيف ضغطًا متزايدًا إلى ميزانية الأسرة، ويمتد أثره أحيانًا إلى الصحة النفسية والجسدية؛ إذ تربط دراسات عديدة بين الضغوط المالية المستمرة والقلق والاكتئاب وتراجع صحة القلب. وهكذا لا يدفع الفرد ثمن هذا الاستهلاك من دخله فقط، بل قد يدفعه أيضًا من راحته وصحته.

لذلك، تقع على الجهات المعنية بالشأن الاقتصادي، وعلينا أيضًا في الصحافة ووسائل الإعلام، مسؤولية التوعية بمخاطر هذا النمط الاستهلاكي والتنبيه إلى أثره في ميزانيات الأفراد والأسر.

فالمشكلة ليست في الاستفادة من الخدمات الحديثة، بل في تحولها إلى التزامات تفوق القدرة على السداد، وتبدد المدخرات، وتهدد الاستقرار المالي والنفسي للأسرة على المدى الطويل.