إضلال الشعراء

01 سبتمبر 2026
01 سبتمبر 2026

لم أكن على وفاق مع الشعر والشعراء دوما، ذائقتي الشعرية صعبة المنال، ولا يهزّني من الشعر إلاّ القليل، وبالرغم من سنوات طوال درَّستُ فيها الشعر العربي عبر مختلف حقبه وتجاربه، فإنّي أمْيَل إلى التفاعل مع القصص ومع الحكايات، أجد فيها متعة في الدراسة وفي التدريس، ولكن هنالك شاعرا تحملني إليه دوما الذائقة، وأُبهر بقدرته على خلق المعاني الأبكار، هو المتنبي علّة كتابة هذا المقال.

ذلك أنّي في نزعةٍ من قليل نزعاتي إلى قراءة الشعر، عدتُ إلى صديقي المتنبي، وقرأت له البيت التالي، يمدح فيه كافور الإخشيدي، ويلتقط حدثا تاريخيّا حصل في إمارته، وهو زلزال عظيم، هزّ مصر، فقال: «ما زُلزلت مصر من سُوء يُراد بها/ لكنّها رقصت من عدله فرحا»، فأدركتُ ما يتحدّث عنه النقّاد القدامى من قدرة الشعراء على إظهار الحقّ في صورة الباطل، وإظهار الباطل في صُورة الحقّ، وأدركتُ فعلا قُدرة المتنبي على الابتكار والصناعة، وكيف تتأتّى له المعاني، فمُصَابٌ جللٌ يُصيب البلاد والعباد، ويُحزن القائمين على الأمور، يتحوّل في يد الشاعر إلى مناسبة يلتقطها لصياغة فكرة مدحيّة حادثة، وإحلال بهجة.

وليس الأمر بغريب على شاعر ذكيّ، مالك لزمام المعاني، يُصرِّفها كيف شاء.

الزلزال كارثة، مصيبة في الواقع، رُعب ودمار وهزٌّ للبناء وتدمير للبشر، غير أنّ هذا الواقع المزلزل متى دخل الخطاب الشعري بأداء المتنبي أصبح ميزة وطربا ورقصا وبهجة ناتجة عن عدل وعن فعلِ حاكمٍ اهتزّت له الأرض سرورا واحتفاء باستقامة نهجه.

كيفَ تُقلب أصول الأشياء باللّغة، وكيف يتمكّن الشعراء، وهم أمراء الكلام، من حسن استخدام بلاغة التبرير والتعليل، فالمتنبي لا ينفي حدوث الزلزال، ولا يُنكره، وإنّما هو ناظرٌ في علّته وسبب تحرّكه، فالقول الثابت (الزلزال) هو قول حقّ، وإنّما التأويل في التبرير، ومن عادة الناس إن حصلت مصيبة، وزُلزلت الأرض أن يردّوا ذلك، إلى غضب من اللّه، وإلى معاقبة القوم لضلالهم، أو هي نتاج ظلم حالّ، أو جور حاصلٍ، وهنا يأتي دور الشاعر في التبرير، خروجا به عن المعهود والمألوف، أَوَِ ليس الشعر خروجا عن المألوف!؟

بلاغةٌ قديمة في العرب، تُثبِتُ الوقائع وتُحوّل من زاوية النظر إليها، تصرف الممدوح عن سوء الفاجعة، وتمثِّل له عالما يُرضيه ويحقّق فيه انتفاخا وتطاوسا، وقديما كان في الناس محبة التقرّب إليهم ومدحهم وإعلاء شأنهم صدقا أو كذبا، والمتنبي مُدرِكٌ لنفسية الممدوح، نافذ إليها من مواطن ضعفها، ولذلك لم يُرجَم ولم يُقتَل ولم يُصلب إذ مدح سيف الدولة وأوغل في إعلاء شأنه، ومنَحه صفة النبوّة والرسالة، إذ قال: «لوْ كانَ علْمُك بالإله مُقسَما/ في النّاسِ ما بَعثَ الإله رسولا- لَوْ كَانَ لَفْظُكَ فيهم ما أُنْزِلَ ال/ قرآنُ والتَّوْرَاةُ والإِنْجِيلا- لَوْ كان مَا تُعْطِيهم من قَبْل أنْ/ تُعْطِيهم لم يَعرِفُوا التَأْمِيلا»؛ لأنّ المقصود بالمديح والإعلاء يستطيب هذا القول ويهنأ به، ويستلذّ سماعه.

صحيح أنّ العرب مدّاحون، مُبالغون في المدح، متفنّنون فيه، ولكن في مقابل ذلك، هنالك ذوات مقصودة بالمدح، كانت تُشجّع على ذلك، وتَرضى هانئة، مانحة المال والعطايا لمديح قد يصل درجة الإخراج من الملّة لو أريد بالشاعر الضرر، ومن ذلك، ما دخل فيه الشاعر ابن هانئ الذي كان يُلقَّب بمتنبّئ المغرب، وبلوغه درجة من مدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي حدّا كفَّره به علماء الدين وأخرجوه من الملّة، على شاكلة قوله المعروف: «ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ/ فاحكُمْ فأنتَ الواحدُ القهَارُ»، أو ما نُسِب إليه من قولٍ في الممدوح ذاته، عند زيارة المعز لدين اللّه الفاطمي لمدينة رقّادة القيروانيّة: حلَّ برقَّادة المسيح/ حلَّ بها آدمُ ونُوح- حلَّ بها اللَّهُ ذو المعالي/ وكلُّ ما سِواهُ ريح».

واقع اللغة في إجراء الشعراء فسيحٌ، يخوضون به عوالم من المعاني، ويصنعون من الذوات الممدوحة كائنات إن صدّقت واقع الخطاب اللغوي أربكت واقعها، فهل كان كافور الإخشيدي مصدِّقا رأْي المتنبي الذي يردّ حركة الأرض زلزالا إلى الطرب والرقص من أثر العدل؟ لا أعتقد، ولكن القول راقه، وثبت له صورة رسَخت اسمه في التاريخ، كما أن قول ابن هانئ تثبت في الذاكرة وراق الممدوح وتداوله الناس.

الشعراء المجيدون لا يصفون حالا وإنما يبنون خيالا وصورة، بها يُقيمون معاني جديدة، عالمها التخييل لا التسجيل، ومجالها المبالغة لا الوصف وعرض الحقائق.

فالشاعر يرى الحقيقة أو هو يُري الحقيقة من جهة ثانية، يرى ما لا يراه عامّة النّاس، يلتقط المعنى من زاوية مغايرة تجد هوى في نفس المقصود بالقول، ويحملنا على إدراك المعنى، على الإيمان بقوله، وضلاله ليس عيبا أخلاقيّا، وكذبا، وإنّما جنوحه إلى الإضلال هو أداة شعريّة يتميّز بها قول الشعر وهما وإيهاما وخروجا عن المتوقّع.

شاعرٌ مثل المتنبي قادرٌ أن يتّخذ من يمدح حتى يبلغ بالممدوح أعالي السماء، وقادر أن يهجو ويذمّ حدّا يبلغ به الممدوح أسافل الدُّنى، وهو في الحالين، يقول معنى هو صانعه بأداة يُحسن إجراءها، وهي اللغة، يُوزّعُ مالكها الوجود على هواه.

ففعل الشعر أعمق من وصف الحال أو تصوير الوجود أو رصد الحقائق، الشعر قادرٌ على تحويل الموت إلى خلود، والفراق إلى لقاء وحبّ ووجْد، والهزيمة إلى ظفر، والخراب إلى بهاء وجمال.

نعرف جيدا ضلال الشعراء وإضلالهم، ونُدرك مبالغتهم، غير أنّنا نعود إليهم دوما، ونؤخَذ بما يقولون، ونُعجَب بصورهم وخيالاتهم ومبالغاتهم وجنوحهم إلى الخروج عن معهود الاعتقاد.

الشاعر لا يقدر أن يقول الحقيقة عارية، وإنّما هو مقيم للأشياء صورا وأخيلة بها يمكن أن نصبر على توحّش الوجود. فقد يكون في قول المتنبي وفي ترقيصه للكون بدلا من النظر إلى كارثة الزلزال، مبالغة، بل قد يكون أوغل في التقرّب والنفاق، غير أنّه في نفاقه وتقرّبه صنع معنى جميلا.

الشاعر المجيد، النادر، ضالٌّ مُضلٌّ، واهمٌ مُوهِمٌ، غاوٍ مُغوٍ، كاذبٌ كذوبٌ، وهو صانعٌ لعوالم من الخيال يأنسها السامع والقارئ ويهنأ بها، لأنّ بعض البشر مجبول على محبّة المدح، مهوس بإعلاء الذات، ميّال إلى من ينفخ في صورته.