خطوط الزمن .. صفحات الأيّام
21 يناير 2026
21 يناير 2026
في أوّل رحلة لي إلى أوروبا، عام 1979م، كانت الوجهة هنغاريا، وعلى شاطئ بحيرة (البالاتون) التي تقع في غربها، وتعدّ أكبر بحيرة في وسط أوروبا، التقيت بالدكتور عيسى العيسى رحمه الله، وزاد اللقاء جمالا وبهاء، حضور طالب دكتوراه، يومها، في الأكاديمية المجرية للدراسات العليا، ذلك الطالب كان اسما لامعا في الصحافة الثقافية والفنية، إنّه د. ياس خضير البياتي، وكان، قبل ذلك، يشغل موقع رئيس تحرير مجلة(فنون)، وكثيرا ما قرأنا مقالاته في مجلة(الإذاعة والتلفزيون)، وبعد السلام والكلام، تطرّقنا إلى وضعه في هنغاريا، فاستشفّيتُ، من كلامه أنّه لم يكن سعيدا في رحلته، وتعصر قلبه مشاعر الحنين، وظننتُ أنّه سيعود إلى بغداد التي لم يكن له من السهل مفارقتها، وحين قرأت كتابه(خطوط الزمن-سيرة ذاتية) الصادر عن المتحدة للنشر والتوزيع في الشارقة 2026م صَدَقَ حدسي، فهو لم يكن قد انسجم بعد في بودابست، لكنّه سرعان ما اندمج مع الحياة الثقافية، وكانت (هنغاريا) أيام سطوع المعسكر الاشتراكي، تعجُّ بها؛ عروض مسرحية، معارض تشكيلية، مهرجانات سينمائية، وفنية، وكانت تصلنا تفاصيلها أوّلا بأوّل من خلال رسائله الصوتية التي نسمعها عبر أثير إذاعة بغداد، حين عمل إلى جانب دراسته، مراسلا لها، وبعد أن أنهى دراسته في بودابست، تحسّر على ذلك، وقال في سيرته» صرتُ أؤمن بأن عمري الحقيقي هو ست سنوات فقط هي التي عشت فيها كإنسان متمتع بحقوقه»
هذه المحطّة هي واحدة من المحطات الكثيرة التي ذكرها في كتاب يتألف من من (264) صفحة من القطع الكبير، أراد من خلاله أن يدوّن سيرته الذاتية، بشكل غير تقليدي كونها سيرة « رجل عاش بين الحبر والطباشير، بين قاعة الدرس وصفحة الجريدة» فلم يسمّ الأجزاء فصولا بل صفحات مرقّمة، حملت عناوين جاذبة، فالصفحة الأولى تحمل عنوان» الزمن أكبر مني، وأنا وُلِدتُ بعده» وهكذا..
تبدأ السيرة من الساعة الأولى من ولادته، كما روى له الأهل، وتتواصل مع سنوات طفولته، وتنقّلاته مع والده الذي يعمل مدير محطّة قطار إلى البصرة، وثمّ إلى كركوك، بعد ذلك، تأتي ولادته الفكرية، وارتياد المقاهي الأدبيّة التي يسميها( أكاديميات الأرصفة) وكانت تمثّل « رافدا أساسيّا للثقافة، وينبوعا للثراء الفكري ومنصّة لتجمّع النُخب الثقافية « ويخصّص الصفحة الثانية لـ» المربع السحري للحياة» ويقصد به الأب والأم، وشريكة الحياة، والأبناء، فقد وجد في هذا المربع الحياة الحقيقيّة، ويواصل تقليب صفحات حياته، وأهمها صفحة دراسته في قسم الاجتماع بجامعة بغداد 1968م وتتلمذه على أيدي كبار أساتذة الاجتماع، ومن أبرزهم د. علي الوردي، عالم الاجتماع المعروف الذي درّسه عامين، ويذكر أن محاضراته كانت» عرضا مسرحيا بامتياز، صوته يعلو، وحركاته بهلوانية غير مألوفة في قاعات الدرس، يمزج الجدّ بالهزل، والعلم بالحكاية، حتى تصل المحاضرة إلى هيئة حدوتة شعبية» وحين ناقشه في محاضرته الثانية عن مفهوم اللّاشعور في كتابه (خوارق اللّاشعور) فوجئ بذلك، وظنّ أن؟ه مرسل لاستفزازه ، وحين هدأ « نزل عن المنصة وبدأ يرقص الباليه وهو يتحدّث عن البداوة والحضر وسط ضحكات الطلبة»، وكل ذلك لكي يوصل أفكاره بطريقة محبّبة.
أّمّا عن حكايته مع الكتابة والنشر، فيقول أنّها بدأت بكتابته للنقد الأدبي بتشجيع من رفيق رحلته القاص الراحل زهير غانم، ونشر تلك المقالات في الصحافة الثقافية العربية، خلال دراسته الجامعيّة، ومن أبرزها: مجلة (الآداب) البيروتية، و(الثقافة الجديدة)، وحين دفع مقالة للنشر في صحيفة (الأحد) البيروتية نشرت الصحيفة المقالة مسبوقة بمقدمة لأدونيس وصفها بأنها» جريئة في تحليلها، جديدة في منهجها، النقدي، عابرة للخوف الاجتماعي، والممنوعات القيمية البائدة»، وكذلك أعجبت مقالاته الكاتب جبرا إبراهيم جبرا، وطلب لقاءه، وتمّ له ذلك، وفوجئ بصغر سنّه، فكان في سنّ العشرين، فيما تخيّل جبرا، أنّه في الستّين، لم يستمرّ في النقد، بل لينتقل إلى الصحافة، وفي منتصف السبعينيات عمل باحثا في مركز بحوث المستمعين والمشاهدين، بمعهد التدريب الإذاعي والتلفازي ببغداد، ثمّ أخذه العمل الإداري الصحفي، والسفر لغرض الدراسة، ومن ثمّ الانشغال بكتابة الأبحاث الجامعية، عندما خلع ملابس الصحافة وارتدى رداء العلم متّجها نحو» سرديّات الصحافة، مغادرا جدليات أرسطو، وهيغل، وماركس، وافلاطون «حيث مختبرات البشر تتكلّم بالمقاييس، والمجاهر الضوئيّة، وبحوث الشكّ، والتجريب، والوصف للوصول إلى الحقيقة» وتأليف الكتب التي بلغ عددها(٢٦) كتابا، وهذه المحطة تفسّر قوّة أسلوبه، وتعبيره الأدبي، وانفتاحه على الأدب والثقافة، والمعرفة الإنسانية، فلم يكن صحفيا ينقل الخبر فقط، بل كان يحلّل، ويعمّق الأفكار، ويوسّع الدوائر المعرفيّة، وهذا ما نراه واضحا في كتابه، إذ إنّه لا يمرّ على أحداث حياته مرورا عابرا، فيجنح لتحليلها، ووضع النقاط على الحروف، والاستعانة بمقولات، وآراء فلاسفة، ومفكّرين، وأدباء، وبعد أن يناقش الحدث من أكثر من زاوية، ينتقل بسلاسة إلى حدث آخر، وهكذا..
وبعد أن نصل للصفحة الأخيرة من الكتاب، نجد أنّ الأفكار تحتلّ مساحة واسعة تنافس مساحة الأحداث، رغم غزارتها، في رحلة د. ياس خضيّر البيّاتي الطويلة، والممتعة، وهو يتعقّب خطوط الزمن، ويقلّب صفحات الأيّام .
