حين يصمت العالم تتحدث الثقافة

19 يناير 2026
19 يناير 2026

تُعبّر مواقف المثقفين الداعمة للحقوق والحريات عن نبل أخلاقي يمثل سعي الإنسان إلى تحقيق العدالة لا بوصفها قيمة، بل كضرورة وجودية في عالم سياسي تتداعى فيه المعاني، وتُستباح فيه المُثل باسم المصالح والمطامع. فالمشهد السياسي العالمي اليوم لا يعاني فقط من ارتباك واختلال الموازين، بل من انهيار أخلاقي واضح لا لبس فيه، تُمارَس فيه الانتهاكات دون خجل أو ورع، ويُعاد تعريف العدالة وفق شريعة القوة لا القانون. 

ويتجلّى ذلك الانهيار بوضوح في إفلات الكيان الصهيوني من المحاكم الدولية ووقف شهوة القتل التي يمارسها قادة الكيان يوميا في منطقتنا العربية. لكن هذا العام بدأ بواقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو(63 عاما) وزوجته، في مشهد يُجسد الاستخفاف الأمريكي بالنظم والتشريعات الدولية، وسط صمت وجُبن مفضوح. ولم يتوقف المشهد عند ذروة الحدث السياسي ذاته، بل امتدّ إلى ما هو أكثر فجاجة، حين أقدمت رئيسة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو(59 عاما)، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2025، على إهداء جائزتها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (79 عاما)، في مشهد لا يمكن وصفه إلا باكتمال فصل المهازل واستخفاف تام بجوائز السلام. 

إذ أتى تسليم ماتشادو جائزتها لترامب عقب استبعادها لخلافة مادورو حسب تعبير ترامب نفسه، الذي لم يتوقف عن التهديد باحتلال جزيرة جرينلاند المرتبطة سياسيا بمملكة الدنمارك، إحدى الدول الاسكندنافية التي تتشارك الانتماء للجزيرة مع النرويج المانحة لجائزة نوبل للسلام. الأمر الذي يطرح سؤالا عن قيمة الجائزة نفسها حين تُمنح أو تُستثمر خارج سياق العدالة والكرامة الإنسانية؟، وهذا يُذكرنا برفض معهد الجائزة سحبها من أونج سان سو تشي (81 عاما) مستشارة الدولة في ميانمار والمتهمة بالمسؤولية عن الجرائم المرتكبة بحق الروهينجا الأقلية المسلمة في بورما. مما يعني ذلك بأن معايير السلام أمست خاضعة للحسابات السياسية لا للمبادئ الإنسانية. لأن سو تشي نفسها كانت قد طالبت بفرض عقوبات على بلدها، في موقف لا يمكن تبريره أخلاقيًا، مهما كانت الذرائع، لأن العقوبات لا تُعاقب الأنظمة بقدر ما تُدمّر الشعوب. 

في مقابل هذا المشهد السياسي المُخزي، يقدّم المشهد الثقافي نموذجًا مختلفًا، أكثر صدقًا وصلابة ووضوحا. ففي أستراليا، كشفت أزمة مهرجان أديلايد الثقافي عن جوهر المعضلات التي تعانيها المجتمعات الغربية تجاه حرية التعبير فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. إذ جاء استبعاد الكاتبة الأسترالية الفلسطينية الأصل رندة عبد الفتاح (47 عاما) بسبب مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية ليُشعل موجة احتجاج واسعة، تمثّلت في انسحاب جماعي غير مسبوق لكتّاب ومثقفين وأكاديميين، رفضوا أن تكون الثقافة أداة قمع أو منع من التعبير. وفي مقدمتهم مديرة المهرجان الكاتبة والناشرة الأسترالية لويز أدلر (72 عاما)، إضافة إلى شخصيات ثقافية وأكاديمية منها جاسيندا أرديرن (45 عاما) رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة، والكاتبة البريطانية زادي سميث (50 عاما)، والكاتبة الأسترالية كاثي لايت (65 عاما)، والكاتب الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر بيرسيفال إيفرت (70 عاما)، والسياسي اليوناني والأكاديمي يانيس فاروفاكيس (65 عاما) صاحب القصة الحقيقية لفيلم (أشخاص بالغون في الغرفة) الذي يتناول الأزمة المالية اليونانية، والمعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية. 

أعاد الانسحاب الاعتبار لدور المثقف بوصفه ضميرًا حيا وفاعلا، لا عنصرًا خاملًا، وقد دفع هذا الضغط إدارة المهرجان إلى تقديم اعتذار رسمي للكاتبة، كاعتراف متأخر بأن حرية التعبير جوهر الثقافة ومحكها. تؤكد هذه الوقائع أن الضمير الإنساني الحر لم يُهزم بعد، وأن القضية الفلسطينية، رغم محاولات التشويه والتضليل، لا تزال قادرة على كشف زيف الخطاب الأخلاقي الغربي، واستقطاب أصوات شجاعة ترفض الصمت. فالتضامن مع فلسطين ليس موقفًا عاطفيًا، بل اختبار حقيقي لمعنى العدالة في هذا العالم. 

وبالمقارنة مع قضايا تاريخية مثل قضية دريفوس، التي استحقت التضامن بوصفها ظلمًا فرديًا، تبدو المأساة الفلسطينية أوسع وأعمق بوصفها مأساة شعب كامل يُعاقَب لمجرد الوجود، ويُدفع ثمن صموده جيلًا بعد جيل. وهنا، لا يعد الصمت حيادًا، بل شراكة في الجريمة وطمسها. وفي زمن تُقاس فيه القضايا بميزان المصالح، تبدو فلسطين أكثر من مأساة مستمرة؛ إنها سؤال الحقيقة الأزلي، وبالون اختبار لجرأة الضمير لأن الظلم إذا قُبول كأمر مسلم به يصبح جريمة وذنبا لا يغتفر، وحين يصمت العالم وتتملق الأنفس، تبوح الثقافة بما عجزت عنه السياسة.