أميرة سالم والكعبة والتسليع!

18 يناير 2026
18 يناير 2026

على تلفزيون سلطنة عُمان وقُبيل أذان المغرب، يظهرُ طائرٌ يشقُّ السماء، يعقبه تدفق صوت أميرة سالم يجرحُ القلب بشجنه الصافي كل يوم. كانت تلك أول ذكرى علِقت في رأسي عن شعائر الحج والعمرة. يصطادني آنذاك حزنٌ جارفٌ وانطفاءٌ عميقٌ لانقضاء نزهة اللعب مع أبناء وبنات جيراننا، وكأنّ أجنحة عصافير الدوري في نشيدها الجنائزي وصوت أميرة سالم «أسماؤه الحسنى لمن يدعو بها» يُسدلان الستار على يومنا الحافل. فقد شكّل مشهد البشر في بياض ثيابهم غير المخيطة، وارتعاش المسابح بين أصابعهم، رهبةً جارفة في وجداني، لم ينجَلِ رسوخها إلا في لحظة المسير بقلبٍ هلِعٍ إلى هناك.

أردتُ بطريقةٍ ما، أن أنجو من اللهاث العبثي المُضني الذي يُقوّض حياتنا ويُفرغها من معناها، لهاثٍ دائري لا يُفضي إلى شيء، يأكلُ الروح وينهبُ العمر. فكانت «العمرة» خيارًا لخلوة الذات مع بارئها، ومقامًا مُلائمًا لمراقبة البشر وهم ينحدرون من سلالات وسحنات متعددة. هناك حيث تُصغي الأذن المرهفة للغات لا حصر لها، يسيرون زرافاتٍ نحو غاية واحدة. ملأ كياني وقتذاك سؤال واحد: كيف لنا أن نُكابد الفرقة وبئس المُنقلب، وبيننا كل هذه القواسم التي لا تحدها جغرافيا أو لون أو لغة أو عرق؟

ارتعشتُ لمجرّد التبصّر في الحشود البشرية التي تركت شؤون حياتها خلفها، اقتناصًا للحظةٍ فارقة في سيرورة أعمارها القصيرة، وسعيًا إلى التحامٍ مكين مع خالقها. ففي قصورٍ منّي، ظننتُ أنّ صخب العيش كفيلٌ بأن يُعرّض هذه الرغبة لانقراضٍ عنيف، غير أنّي رأيتُ شيوخًا ونساءً وشبابًا وأطفالًا ورُضّعًا في دورانٍ كثيفٍ حول المركز المتين بكلّ ما يختزنه من دلالات. دورانٍ محفوفٍ بالدمع والارتجاف والخشية. وتجلّت المفارقة في الأيدي المشوبة بالتعب والأقدام الحافية المتشققة والوجوه الوجلة الشاحبة التي جعلتني أدرك أنّها أجسادٌ مخذولة، وضعت كل ما ادخرته لتظفر بلحظةٍ مماثلة.

عندما انكشفت الكعبة أمام الأعين الواسعة والضيّقة، السوداء والملوّنة، استعاد المكان رمزيته المحتشدة في وعينا من قراءات ومشاهدات سالفة. غير أنّ العين التي رأت وفاض دمعها، ليست كالعين التي قرأت!

في المكان المسقوف، والأرضية المُبلّطة، والرذاذ الذي يتساقط فوق الرؤوس، كان لا بدّ من استدعاء قصّة السيدة هاجر التي تُركت في وادٍ مُقفر بصحبة رضيعها. فالأشواط السبعة بين الصفا والمروة، لم تكن لجسد فزعٍ يركضُ في الفراغ، وإنّما فعلٌ أموميّ قلق ومتقد، مشحونٌ برغبة النجاة، تحوّل فيما بعد إلى شعيرة خالدة. بدا لي تفجر ماء زمزم كمعجزة مُستمرة إلى يومنا، روت شعوبًا على مدى قرون، ولم تنضب بعد!

تبرزُ ضدّية الحياة والموت في لباس «الإحرام» غير المخيط الذي يرتديه الرجال. أجسادٌ حيّة مُتحرّكة تمضي بأكفانها مُرتجفة بالدعاء، بدا لي المشهد كتصوّرٍ مُصغّر للحظة عودتنا من الفناء؛ حيث يتكثفُ السير الواجف إلى حسابٍ عظيم!

شاهدتُ أشخاصًا من ذوي الهمم آثروا الطواف بأجسادهم المشلولة دون عربات، وكأنّ تماسهم بالأرض يقرّبهم من فوران أحاسيسهم. شاهدتُ عجائز لا تكفّ الدموع عن الانحدار من مآقيهنّ الصافية كالأنهار، ورجالًا شديدي الغلظة والتجهّم تتغضنُ وجوههم بالتضرّع. وشاهدتُ الأيدي تُرفع كلّما وقعت الأبصار على الكعبة، ثم تُقبّل ذات الأيدي وكأنّها لامست الكعبة في المخيلة الجامحة.

لم يشوه مشهد الانتباه والتخفّف من متع الدنيا والتباسط في الثياب والطِيب، سوى انشغال عدد غير قليل من الناس بالتصوير. بعضهم فتح بثًا مباشرًا مع عائلته. ولعليّ أفهمُ أنّها تجربة قد لا تتكرّر، غير أنّ التصوير أثناء الطواف وأثناء الصلاة، دفع الحواس إلى تشتت مُضجر، وكأنّ الرغبة في حفظ الذكرى غلبت على حقيقة عيشها. هكذا حوّل البعض الفعل الديني إلى مادة بصرية، وقد اسُتدرِجنا نحن -دون اختيار منا- إلى سلطة كاميراتهم!

كلّنا نرغب في صورة تقول إنّنا كنّا هنا يومًا، وأنا منهم أيضًا. نصرُّ على تصوير أنفسنا قرب الكعبة، وكأنّها برج إيفل، أو الأهرامات، أو سور الصين العظيم. نشتري كوبًا عليه صورة الكعبة، أو سجادة نُقش عليها أسماؤنا، وكأننا نخوضُ ما يُسمّى «السياحة الدينية». ولستُ على يقين حقًّا إن كان ذلك يُضفي على «العبادات الدينية» الصلابة الرصينة التي تُلائم حداثة عصرنا، أم يسحقُ المعنى الروحي تحت عجلات التسليع الجارفة!

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»