وهم الانتماء
18 يناير 2026
18 يناير 2026
أصبح التسويق اليوم أكثر من مجرد عرض منتج أو خدمة، لقد تحول إلى قصة، إلى حلم، إلى وعد خفي يهمس في آذاننا: «ستجد القبول، ستشعر بالانتماء، ستكون أفضل حالًا، ستكون أكثر جمالًا، وستعيش لفترة أطول إذا اشتريت هذا».
هذا هو جوهر الثقافة الاستهلاكية الحديثة التي تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد المشكلة في فرشاة الأسنان الفاخرة أو الوسادة الحريرية، بل في الوعد المصاحب لها: «أن الحياة المثالية يمكن شراؤها»، فمقاطع الفيديو التي تعرض المشتريات أو التي تُظهر «روتين ترتيب» المنزل، لا تبيعنا فقط المنتجات، بل تبيعنا صورة لحياة منظمة، مثالية، وخالية من الفوضى، نشاهد هذه المقاطع، ونشعر وكأننا نُمنح فرصة لامتلاك جزء من هذا الكمال، وبتكرار المشاهدة، يتشكل في عقولنا رابط غير واعٍ بين السعادة والإنفاق، وبين الهدوء والامتلاك.
التسويق الحديث، إذن، لا يبيع منتجات، بل يبيع شعورًا، يبيع إحساسًا بالانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة، أو إلى مجموعة ذات أسلوب حياة فريد، يبيع وهم الجمال الذي يمكن الوصول إليه، أو الهدوء الذي يمكن شراؤه، أو القبول الذي نظن أننا سنحصل عليه من الآخرين عندما نُظهر أنفسنا بالصورة التي يروج لها الإعلان.
ولكن، ما يحدث في الواقع هو أننا نشتري منتجات لا نحتاجها، بأموال أحيانًا لا نملكها، لإثارة إعجاب أشخاص لا نهتم بهم حقًا، وفي النهاية نجد أن الفراغ الذي كنا نحاول ملأه لا يزال هناك، وربما يزداد اتساعًا.
الوعي بهذا هو الخطوة الأولى نحو التحرر من هذا الوهم، أن ندرك أن القبول والانتماء لا يمكن شراؤهما بالمال، وأن السعادة ليست سلعة معروضة للبيع، وأن أجمل ما في حياتنا لا يظهر في مقطع فيديو مُعد بعناية، بل يكمن في اللحظات الحقيقية، غير المصقولة، التي نعيشها، فنحصن بذلك ذواتنا من المقارنات غير المجدية، ومن الحياة المثالية غير المعقولة لأناس لا يشبهوننا، فهم يعيشون حياة مزيفة. لذا، في المرة القادمة التي تشاهد فيها مقطعًا إعلانيًا، اسأل نفسك: هل أشتري هذا المنتج، أم أشتري وعدًا؟
حمدة الشامسية كاتبة عمانية في القضايا الاجتماعية
