تمثلات المرأة في مجموعة «موناليزا الموصل»
12 يناير 2026
12 يناير 2026
تُقدّم زكية الشبيبية في إصدارها المعنون بـ(موناليزا الموصل) الصادر عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء والآن ناشرون عام 2022م صورًا متعددة للمرأة تنهض بالأحداث في كل قصة من قصص المجموعة.
تقوم المجموعة على ثلاثة عشر نصًا قصصيًا تشتغل فيها الكاتبة على إبراز صورة المرأة التي تُضمر من خلالها أنساقًا مختلفة في سياق السرد، وأوصافًا انغرست صورتها داخل المجتمع؛ فالمرأة التي تكتب عنها هذه المجموعة امرأة متشكّلة من عُمق المجتمع الذي نعيشه، ثم تستعيدها الكاتبة في إطار سردي متنوع.
یمكن أن نقرأ الصورة السردية للمرأة في المجموعة من تشكّلات السرد في كل نص أمامنا؛ فمن مشاعر المرأة المتزوجة من رجل لا يُنجب إلى الفتاة المجنونة أو المريضة النفسية، أو اقتران المرأة بهُويتها التراثية ومجتمعها وعاداته وتقاليده إلى المرأة المنكسرة بفعل تسلط ذكوري إلى صورة الأم الخائفة على ابنها من مزالق هذه الحياة وأوهامها إلى العاملة الفقيرة التي تتبدّل حالتها بتغيّرات الزمن.
هنا تقدّم لنا قصص المجموعة صُورًا متعدّدة عن المرأة في المجتمع؛ فهي وإن كانت ركيزة مهمة في عملية البناء الأسري فإنها أيضاً إنسان تملؤه المشاعر والأحاسيس التي قد تُطفئ النور في عينيه، أو تفتح له أبوابًا مختلفة في هذه الحياة.
يعكس الحضور السابق للمرأة صورة المرأة في المجتمع من زاوية رؤية الكاتبة الأنثى، وهنا تتشكّل الصورة السردية من هذه الزاوية؛ فتبدو المشاعر ثائرة عند نقل صورة الأنثى، وهنا يمكننا أن نلمح تأثير العاطفة في تشكيل السرد في علاقة المرأة بالرجل داخل القصة؛ تظهر مثلاً علاقة الحب بين رقية وزوجها الشيخ جميل، فهذه العلاقة دفعت الشخصيتين إلى محاولات من التردد الفعلي لإنهاء ارتباط الزواج. نقرأ في قصة (حب عتيق): «استيقظ صباحا وقد عزم على أمر ما، تناول من يدها كوبًا من اللبن وبضع تمرات، كان يرمقها، ساهم يفكر، يحبها ولا يطيق فراقها، ولكنه وجع الضمير يطبق على أنفاسه، هل يستريح ويسرحها سراحا جميلا ؟ لعلها تنعم بلطائف الأمومة من بعده. أشاح بنظره بعيدا عنها، بصوت خفيض خاطبها:
-رقية امضي إلى بيت أهلك، ولملمي حاجياتك.
تسمّرت في مكانها واجمة، دقات قلبها تتسارع، هل عزم على فعلها حقا؟! وهي التي كانت تحاول جاهدة ألا ترهقه بهذه الظنون، إنها لا تتخيل أن تكون مع رجل سواه، صاحت بصوت مرتفع:
- أنت نصيبي وقدري، ولا أرضى بشيء غيره.
انفعلت وصرخت كالملدوغة، لا من سم أفعى، ولكنه سم الفراق القاتل، جثت على ركبتيها ترجوه أن يمحو هذه الأفكار البغيضة من رأسه، لم يكلف نفسه الرد عليها، يقدر جيدا وضعها السيئ، بخطوات متثاقلة مضى في سبيله بعيدا عنها، وكذلك فعلت». ص(8)
لقد ظلت علاقة الحب كامنة في النفس حتى بعد الانفصال في صورة ذكرى تُطل برأسها، يستعيدها السرد في صورة طفلة صغيرة تحمل فيها صورة الزوجة.
وفي كثير من القصص يقترن السرد بالوصف لاسيما في الحديث عن المرأة، فينقطع السرد ليقوم الوصف بمهمته، أو يبدأ الوصف ثم يُكمل السرد مهمته في القصة. نرى ذلك في قصة (موناليزا الموصل) في وصف الطفلة: «طفلة صغيرة منكوشة الشعر، حافية القدمين، يغطي ملابسها الطين، جثم أمامها كصنم، أرسلت له نظرة خجلى تغطيها الدموع، تسبح عيناها الخضراوان كزورق نصب فوق الماء، ابتسمت وهي تفرك إحداهما ابتسامةً متهالكةً بلا معنى، تلك الابتسامة المتهالكة على صفيح دموع حرّى تجمدت في ثقب عدسته كجثة محنطة لتلفت أنظار العالم بأسره، وتشق الأرض بقدمين عاريتين وتمضي إلى قدرها». ص(21)
وفي قصة (إخفاء) نجد وصفًا مطولًا للمرأة يُظهر انكسارها: «ترتاد الشارع لوحدها في ضاحية النهار غير آبهة بأبواق السيارات المسرعة وفضاضة راكبيها وهم يختلسون النظر إلى المارة من النساء، تشق الرصيف كعادتها خالية الوفاض بظهر مائل وعباءة بالية سوداء لا تشي بملامح ذات زينة أو بريق وقد انتزعتها منها انتزاعًا كما ينتزع دهن عود من خشبه، فلا شيء يبدو مثيرًا في هذه المرأة المتلفعة بالسواد أمام المارة هنا، يغلفها ذلك الغطاء كسد منيع يصعب اختراقه أو العبث به.
تلف الشال على رأسها بإحكام شديد، يطول جبهتها فتدفنها تحت غطائه، يمتد زاحفا ليبتلع حواجبها المقوسة هي الأخرى، تلك التي تفردت بها بين أخواتها، فهي الوحيدة التي لم تجرب خيطاً حريريا يجتز جبهتها كآلة حراثة لينتف حواشيها العلوية والسفلية ويشذبها تشذيبا، (طبيعية من الله) الجملة التي كانت تكررها كثيرا على مسامع النساء حولها بإعجاب وهي ترفع بسبابتها إلى الأعلى، لم يبق الشال من وجهها الذي تدسه عن الناس خفية سوى عينيها المنزوعتين من الكحل إلا من مكحلة الحزن التي رفدتها بها الأيام العصيبة؛ فأضافت عليها مسحة من بؤس لا تخفى على من يعرف حالها جيدا، وقد وصفها الكثير ممن حولها بالمرأة المناضلة والمستميتة في معارك الحياة، يتفصد جبينها عرقا إثر لهيب الشمس الحارقة، وقد أحال وجهها إلى خرائط متشعبة من البقع المنتشرة على سطحه، تتقرفص في مشيتها، تهمس في حديثها بنبرة عجوز أكل عليها الدهر وشرب وهي تشير بيدها إلى السيارات المارة، تقبل ناحيتها أخيرًا سيارة أجرة، تقف على الرصيف الذي زرعت فيه كشجرة يابسة...». ص(24)
وفي قصة (مشهورة العالم الأزرق) تتناول وصفًا لانشغال النساء بمواقع التواصل الاجتماعي قائلة: «نساء العائلة الثرثارات اللاتي يخيل لي دائما أنهن يتحدثن عني بسوء، فحال علاقتنا كحال الزيت والماء لا يختلطان، وكذلك أرواحنا ليس بوسعها أن تذوب لتتماهى بحب في نسيج واحد. لا نشبه بعضنا بعضا، ولا أروق لهن في كل الأحوال، نأيت بنفسي عنهن وآثرت العزلة، فأنا لا أجيد للنميمة لغة، ولا أحسن الرقص على أعراض الناس، وتأنف روحي لوك لحومهم المسمومة أنا في حضرتهن لست سوى صنم صامت أو قطعة أثاث مهملة، لا شيء أجيده سوى الصمت ونكز أصدقائي في العالم الأزرق، في الحقيقة أنا بينهن جسد خاو وروحي تحوم هناك في الزرقة مع أصدقائي الودودين اللطفاء». ص(14)
واصفةً منصة العالم الأزرق الذي مرتبط به الناس في هذا العالم. إذن للوصف دورٌ مهم في عملية النهوض بالشخصية وتقديمها التقديم المناسب في قصص المجموعة.
وكما أن المجموعة قدَّمت لنا صورًا متعددة للمرأة فإنها لا تغفل أن تُقدّم أنساقًا مختلفة مرتبطة بالمرأة في مواجهة الآخر سواء كان الآخر الرجل أو المجتمع، نجد في قصة (إخفاء) أنساقًا مختلفة مرتبطة بالمرأة، ففي علاقة المرأة بأبنائها تظهر في الخطاب الصورة المنقطعة بين الطرفين في جملة نسقية مهمة: «أولادي الكبار مشغولون في حياتهم لا أحد منهم يهتم بي». ص(25)
تُقدّم هذه الجملة نسقًا مضمرًا ينعكس على صورة امرأة منكسرة ضعيفة يتخلى عنها أبناؤها، يظهرُ معه تأوّهها وألمها نتيجة هذا البُعد، وكأنّ الأم التي تعبت في تربية الأبناء تعيش حالة من الحميمية المفقودة، والذاكرة المنقطعة.
يرتبط النسق السابق للمرأة بأنساق أخرى تظهر في الخطاب، منها استرجاع صورتها الأولى، صورة الشباب عندما أُرغمت من قبل والديها على الزواج وترك مقاعد الدراسة، تقول: «أرغمها والداها على ترك الدراسة في عمر الثالثة عشرة لتزف إلى ابن عمها رغما عنها، كان وغدًا يعاقر الخمر ولا ينفك عن شربها، الأمر الذي أحال حياتها شقاء وبؤسا»، ومرة أخرى في زواج ثانٍ: «زُوّجت للمرة الثانية رغما عنها من مسن، بقيت على ذمته ست سنوات لم تنجب منه ولدًا فسرحها سراحا جميلا، يراودها حلم الدراسة بعد كل هدنة تنصفها بها الأيام، ولكنها كالمحارب لا يستريح أبدا، كانت قاصمة الظهر عندما فقدت أبويها مرة واحدة لتغالب اليتم وتعيل إخوتها الصغار». ص(26)
تتمدّد هذه الأنساق في ذاكرة المرأة، وتسير معها طوال القصة في رحلتها من البيت إلى السوق ثم مع عودتها إلى البيت مرة أخرى، وكأن الذاكرة هي شريط يعبر مع المرأة الشارع إلى السوق ثم إلى البيت، يتكرر هذا الفعل كل يوم وأمام ناظريها.
في قصة (وحده الورد) تُقدّم الجملة النسقية على لسان الزوج بعد ضرب زوجته لأنها أتلفت ملفاً له على جهاز الكمبيوتر صورة عن العلاقة بين الذات/الرجل والآخر/المرأة حين يقول: «سوف تعود إليّ شاءت أم أبت». ص(46)
إنها جملة تُظهر سلطة الرجل كونه أعلى من سلطة الآخر/ المرأة، السلطة التي تمنعه من عدم الاعتذار من زوجته -رغم خطئه- وعلى ذلك يتمدّد الصراع وتفتر العلاقة بين الطرفين، في محاولة ردّ المرأة لاعتبارها، «انتبه لها وقد خرجت متلفعة بجلبابها كامرأة غريبة نبتت فجأة في هذه الدار.. لقد كانت تجيء وتذهب دون أن يغريها شراك الورد الذي نصبه. دون أن تحتضن الباقة كعادتها وتلتقط صورة مرتبة تذيلها بتعليق ساحر.. بدا مرتبكا من صمتها وهجرها له هذه المرة.. وقد مضى على باقة الورد أسبوع على الأريكة.. لم يقع قلبها في فخ باقة الورد، لقد تركته للبعوض الذي بدأ يتكاثر على رائحة بتلاتها الذابلة.. نظر إليها نظرة بؤس ملؤها الخيبة لينتشل الباقة ويرميها لأقرب حاوية، وأخيرا قرر أن يرتب بعض الكلام.. أي كلام لطيف فحسب.. ربما حان الوقت ليعتذر.. إنه يخاف أن تهجره للأبد، يجب أن يتدارك نفسه ويحسم أمره.. فكر كثيرا، ماذا عله يقول وهو الذي لا يطيق أن يطأطئ رأسه لمخلوق ويعترف بتلك الذنوب أو العيوب؟ وبينما هو ساهم يفكر.. وصلت إليه رسالة على هاتفه.. انتفض ليعدل جلسته على الفور وقد أدرك أن الرسالة منها.. كتبت فيها:
لا قيمة للورد
لا قيمة للحب.. لا قيمة لك.. ما لم تحسن التقدير والاحترام..
ثم مضت. لتكون آخر رسالة تبعثها إليه ولم يزل يحتفظ بها في هاتفه». ص(46)
هكذا تشتغل مجموعة (موناليزا الموصل) على صورة المرأة سواء في النصوص التي ذُكرت أعلاه أو في غيرها مما لم أُشر إليه، وتبقى الرؤية لها من داخل المشاعر تعبيرا مليئا بالمفاجآت المعبّرة عن آلام الإنسان وأحاسيسه.
