التعايش في الثقافة العُمانية مكتسب وطني
12 يناير 2026
12 يناير 2026
تابعت على إحدى منصات التواصل الاجتماعي مقطعا لزائر هندي بعنوان «رسالة من دكتور هندي إلى أهل عُمان» يقول فيها: «أنا عندي ملاحظة شديدة جدا على معاملتكم مع الأجانب». فالزائر القادم إلى سلطنة عمان عن طريق معبر خطمة ملاحة الحدودي استوقفه شرطي عُماني يقوم بمهمته في المنفذ، فسأله الأسئلة المعتادة من أين قادم؟ وإلى أين الوجهة؟ فأجابه الهندي بلغة عربية سليمة وبلكنة يمنية واضحة، الأمر الذي أعجب الشرطي، فضيّف الزائر بالترحيب، وقدّم له فنجان قهوة، فيقول الهندي في المقطع بضع عبارات أنقلها حرفيا هنا: «نحن الهنود في الخليج مش متعودين على هذا القدر من الطيبة، فخففوا علينا شوية، يعني ما نقدر نتحملها، يا أخي الطيبة عندكم بزيادة، والله العظيم ارتحت جدا، فأهل عُمان أشكركم جميعا على هذه الطيبة العربية الإسلامية التي كادت أن تكون غائبة من المجتمعات العصرية في كل أنحاء العالم، فهنيئا لكم».
يُعبّر انطباع الزائر عن قيمة من قِيم الثقافة العمانية المتأصلة في أعماق الإنسان العماني، والمتجسدة في الفعل والسلوك، والتي تُمثل فطرة لا مندوحة للتخلي عنها، وأعني بذلك قيمة التعايش. فالتعايش لا يتحقق إلا بالممارسة والتفاعل الإيجابي بين المكونات الاجتماعية؛ لأجل ترسيخ السلم الاجتماعي، وتكريس التسامح والانفتاح على الآخر. ولا يمكن لهذه القيم أن تتأصل وتثبت إن لم تكُن في الأصل متجذرة في ذات الفرد الخاضع لنواميس المجتمع التي يكتسبها بالمعايشة ويصقلها بالتجارب؛ الفرد الذي يجد نفسه ملتزما أخلاقيا وروحيا بتمثيل قيم الجماعة التي تُشكّل هوية المنتمين لها، والتي بدورها تحدد شروط الانتماء والولاء. فالمرء المُتشبع بروح ثقافته يُقدّر ثقافة الآخر، وينفتح عليها بدافع الأخذ والعطاء. ونتيجة للتأثير والتأثر تستمر الثقافات في قوتها بينما تتقهقر الثقافات التي ركنت إلى الانكفاء والتقوقع على الذات، فتخلق من الآخرين أعداء وخصوما. كذلك الأمر بالنسبة للثقافات المصطنعة للتسامح والحوار؛ إذ تفشل في المنعطفات التاريخية؛ نظرا لافتقارها إلى الأصالة والعمق الحضاري.
يمثل التعايش جوهر الدراسات الثقافية المهتمة بالهوية والتراث غير المادي والتعددية الثقافية، بل ويساعد على التعبير الحر عن المكونات الثقافية للمجتمع، ويكمن ذلك في أشكال الإنتاجات الإبداعية الأدبية والفنية والفكرية، الأمر الذي يُعجّل بتمدن المجتمع وانتقاله إلى طور حضاري قائم على القوانين والتشريعات المدنية الضامنة للحقوق الأساسية التي تمنع التمييز، وتُجرّم خطابات الكراهية، وهذا متحقق على أرض سلطنة عمان؛ إذ ساهمت التشريعات والقوانين في استدامة التعايش والتسامح بين أفراد المجتمع في محيط إقليمي ملتهب بخطابات طائفية وعنصرية ومناطقية. ولذلك فإن التعايش مكتسب وطني يعتز به المواطن ويستشعر به المقيم ويلاحظه الزائر؛ فلذلك يُعد العمود الأساسي للأمن والسلم الذي تنعم به عُمان الأمر الذي يمكن توظيفه في الترويج الاقتصادي لسلطنة عمان كبيئة جاذبة للاستثمارات والسياحة والإقامة. فاستغلال التعايش كعنصر جذب لرأس المال المادي والبشري يُمكن أن تتحقق الغايات والطموحات المرسومة في الخطط والرؤى الوطنية للنهوض بالاقتصاد العُماني وتمكينه من المساهمة في الناتج الوطني، وخلق فرص عمل وتشغيل الباحثين عن العمل.
من المؤكد أن هناك أمثلة أخرى مشابهة لانطباع الزائر الهندي تشهد بطيبة العُمانيين وأخلاقهم، والتي يلمسها الزائر لهذه الأرض الطيبة المعطاءة، ويمكن ملامسة ذلك في حسابات زوار سلطنة عمان التي نأت بنفسها عن التدخل في شؤون الآخرين ما أكسبها احترام وتقدير الغير.
