اختلط موكب الموت بموكب العرس

11 يناير 2026
11 يناير 2026

8 أبريل 1992، سان دييغو، كاليفورنيا

الاكتئاب الأسوأ من وجع الأسنان، والحرب، والثَّكل، والتَّيتُّم، والتَّرمل.

الاكتئاب الأسوأ من الهيولى الثانية.

الأربعاء، 15 مايو 1992، سان دييغو، كاليفورنيا

أسمع امرأة من بلادٍ أخرى، في بلادٍ أخرى، وأنا في بلاد أخرى.

الخميس، 2 يوليو 1992، سان دييغو، كاليفورنيا

(1)

الصباح، طاقة الكراهية النَّشطة موجَّهةً نحو الجميع.

يمكن أن يكون الصَّباح من أدوات الإنتاج الرأسمالي أيضًا.

(2)

الشاعر الماهر ينتظر، والورقة الماكرة تنظر.

الجمعة، 12 فبراير 1993، مسقط

لم أدفن نفسي في هذه الأوراق بالصورة المطلوبة منذ زمن تُهالُ عليَّ فيه أوراق الوظيفة المكتبيَّة بوقتيها الرسمي والإضافي فيما يبلغ نحو ثلاث عشرة ساعة في اليوم أحيانًا. لكن لا بد من الوظيفة («لا تأخذوه من الحمام/ لا ترسلوه إلى الوظيفة»، محمود درويش، «أحمد الزَّعتر»). لست شجاعًا بما فيه الكفاية حتى أجوع الآن أنا الذي كان عليَّ أن أعتمد على نفسي في مسكني، ومأكلي، ومشربي، وملبسي منذ أن كنت في الثالثة عشرة من العمر. ولا أتوافر على كبرياء المبدعين «المنفيِّين» و«المشردين» و«المرتطمين بالخراب، وقسوة العالم، والعدم» إلخ، أولئك الذين يعيشون على مدفوعات من اليمين ومن اليسار وما بينهما ثم يجحدون ذلك في المناسبات الضَّروريَّة. لا بأس.

اليوم، شاركت في دفن زميل الدراسة في الولايات المتحدة محمد الرَّاشدي. أكاد أسمع روحه تتألم لأن كان عليها الكف عنه وهو خارج بلاده. بالنسبة لي أتمنى مثل تلك الميتة الصاعقة وأنا في مكان غير هذا. لم ينشروا المقالة الرّثائيَّة التي كتبتها عنه لأن الراحل، كما قال «...»، مدير تحرير صحيفة «...» في مكالمة هاتفية، «شخص غير معروف» (والحقيقة أنه كان صائبًا في هذه المعرفة). قلت له بأقل حد من درجة الصوت، وأكبر قدر من النيَّة الحسنة والرغبة في تبادل حوار حول الأمر: «لكن بعضًا من كبار الأدباء والمفكرين نشروا مواد رثائيَّة عن أشخاص غير معروفين حسب المقاييس المتعارف عليها». غير أني حتى قبل أن أكمل جملتي قاطعني بقهقهته السَّاخرة المصحوبة بالكلمات التالية: «ومن أنت حتى تقارن نفسك بـ «بعضٍ من كبار الأدباء والمفكرين»؟!

كان ذلك أول حديث لي معه إذ إني لا أعرفه شخصيًّا. لقد ألقمني حجرًا ثقيلًا حقًّا، رغم أني لم أقصد على الإطلاق أني واحد من بعض «كبار الأدباء والمفكِّرين». لكن، فلأحاول تفهم موقفه: فعلًا، من أنا كي أرثي محمد الرّاشدي؟ لا الرَّاثي ولا المرثِي يستحقان الموت والكتابة. كيف، ومتى، ولماذا، وبأي صفة، يحق لي أن أكون آسفًا لوفاة زميل دراسة، حسن المعشر وطيِّب القلب، وحزينًا لرحيله المباغت والمبكِّر؟ ثمَّ من هو المدعو محمد الرَّاشدي أصلًا كي ينشر عنه أي أحد على الإطلاق مقالة تأبينيَّة أو رثائيَّة في إحدى صحف بلاده؟ محمد الراشدي، في منظورهم، محض نكرة حتى وإن بلغ تلك الهضاب البعيدة التي لا يهمّه فيها من يكون. لقد كان مجرد طالب عُماني شاب مليء بالأحلام ومبتَعثًا للدراسة الجامعيَّة، ثم أصيب بجلطة دماغية حادة وهو يلعب كرة القدم في مدينة سان دييغو، كاليفورنيا، الأمريكيَّة، فسقط على العشب.

بعد خروجنا من المطار مرافقين الجثمان في طابور طويل من السَّيارات التي كانت تضيء إشارة الحالة الطارئة، أخذت تلك المركبات تتباعد في الشارع الرئيس، ثم صار الموكب يتشتَّت وينقطع عند الدُّوارات بسبب قانون أولويَّة المرور. لا بأس ما دامت كل السيارات تضيء إشارة الحالة الطارئة. لكني بعد قليل رأيت سيارة تضيء إشارة الحالة الطارئة أيضًا، وتلك السَّيارة كانت مغلَّفة من قمَّة رأسها حتى أخمص عجلاتها بأشرطة ملوَّنة وباقات ورود وزهور، وتتبعها سيارات أخرى تطلق أبواقها.

اختلط موكب الموت بموكب العرس. وفي إحدى اللحظات كانت سيارة الإسعاف الصّامتة التي تُقِلَّ الجثمان تسير تمامًا خلف سيارة العريسين المزركشة بالشرائط الملونة والزهور والورود. فكَّرت في أنه على السينما، وبقية الفنون والآداب، أن تكون أكثر «واقعيَّة» دومًا.

لا بأس في عدم نشر مادتي التأبينيَّة عن الرَّاحل، حيث «من هو؟، ومن أنا»؟، إلخ. لا بأس في الموت. لا بأس في العرس. لا بأس في كل شيء. لكني خائف جدًا من السرير في هذه الليلة. لا بأس في الأرق. لا بأس في أن تشرق الشمس غدًا بسرعة كي أذهب إلى الوظيفة. لا بأس في أن محمد الرَّاشدي نائم الآن تحت الثَّرى. لا بأس في أن العريس والعروس يتأوهان في اللذة الآن على سرير فوق التراب. لا بأس في أن مدير التَّحرير قد يكون منهمكًا الآن في مراجعة مواد العدد القادم من الصَّحيفة (*).

-------------------------------------

(*): نُشرت المادة الرثائيَّة عن المرحوم محمد الراشدي في كتابي «رحيل» (مؤسسة الانتشار العربي: بيروت، 2009). بعد مرور أكثر من عشرين سنة على كتابة هذه اليوميَّة، تقدَّم إليَّ، في مناسبة أدبيَّة جرت هنا في النادي الثقافي في مسقط، شخص لا أْعرفه، وسلَّم عليَّ بطريقة مبالغ في إبداء الاحترام بها (استخدام مفردة «أستاذ»، والمصافحة بكلتا اليدين، وحني الظَّهر) مما لم يكن له أي داع إلا إذا كان ذلك نفاقًا قُراحًا.

سألته - بإحراج حقيقي ناجم عن كياسته وتهذيبه الزَّائدان عن الحد- عمَّن يكون؛ فقال لي اسمه، ليتضح لي فورًا أنه نفس ذلك الشخص، مدير التحرير، الذي منع نشر مقالتي التأبينيَّة عن المرحوم محمد الرَّاشدي وسخر مني، قبل عشرين عامًا، من حيث «من أنت حتى تقارن نفسك، الخ»؟ ابتسمت له بهدوء أخفق في عدم إبداء بعض الشَّماتة، وسحبت يدي من يديه متعللًا بلباقة وتهذيب بالغا التَّكَلُّف والطَّريقة السِّينمائيَّة في «الأداء» أنه لا وقت لدي للحديث معه بسبب رغبتي في الحديث إلى أشخاص آخرين «معروفين» من حضور تلك الفعاليَّة. وقد كانت تلك أول وآخر مرة أراه فيها (حاشية أضيفت إلى المتن في يوم السبت، 1 نوفمبر 2025، مسقط).

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني