اللغة البيضاء وتأثيرها على الشعر الشعبي

05 يناير 2026
05 يناير 2026

منذ السبعينيات دخلت على الشعر الشعبي العماني الكثير من المتغيرات على مستوى الكتابة، والأدوات، والشكل، والموضوع، وتأثر الشعر الشعبي بما تأثر به الشعر الفصيح، وانتقل الشعر الشعبي من مرحلة الشفاهة إلى مرحلة التدوين، وظهرت الصحف، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، وارتفع الشاعر بإمكاناته الكتابية، كما ارتفع المتلقي بمستوى ذائقته، كذلك دخلت (اللغة البيضاء) في الشعر، وتدفقت قرائح الشعراء بنصوص أقرب للفصحى، وأصبحت هذه اللغة أو اللهجة الوسطية هي الأقرب لكافة شرائح المتلقين، بمختلف بيئاتهم، ولهجاتهم، وهذا حمل جانبين متناقضين، ولكنهما مهمين:

الأول: ابتعاد الشاعر عن الموروث الشفهي المستخدم لدى العامة بمختلف بيئاتهم، وهو ما يعني تخلّي الشعر الشعبي عن أهم موارده الكلامية، واللفظية، وابتعاده عن أهم سمة من سماته الطبيعية، والعفوية، وتغييبه لأهم وظيفة من وظائفه العضوية، وهي المحافظة على اللهجة المحلية.

والثاني: هو أن هذه (اللغة البيضاء) أوجدت للشاعر مجالا خصبا للانتشار خارج الحدود الجغرافية المحلية، لأنه يحمل سمات اللغة الفصحى، التي يفهمها الوطن العربي كله، وهو ما يسهّل انتشار قصائده، وفهمها.

وبين هذين الإطارين، ظهر شعراء يحملون العصا من المنتصف، فهم من ناحية لديهم الموهبة لتوصيل نصوصهم عبر لهجة بسيطة، ولكنها معبرة، ومكتنزة بالدلالات، وفي نفس الوقت لم ينسوا بيئتهم المحلية، وخصوصية اللهجة، حتى وإن اقتربوا من اللغة البيضاء.

ومن ناحية الشكل، ظهرت أشكال أخرى من أشكال الكتابة، نتيجة التعليم، وتأثر الشاعر الشعبي بالمدارس الشعرية الحديثة، ومحاولته التكيّف معها، والاستفادة من تجاربها، فكتب شعراء العامية: قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، ولم تكن القصيدة العمانية بمنأى عن هذا التأثر، والتوجه، فظهرت مجموعة من الشعراء الذين أسّسوا لهذا الطفرة الجينية في الشكل، والمضمون، والفكر، واللغة، والمستوى الدلالي، والصورة المبتكرة، ولتشكل هذه التجربة زاوية أخرى من الكتابة، ولتوجد لنفسها مكانة بارزة في جسد الشعر الشعبي العماني، من خلال الشكل، والمضمون، والفكرة العامة، واللغة المستخدمة.

وبذلك تخلصت القصيدة الشعبية من الكثير من الترهلات، وأصبح شعراؤها يميلون إلى الاختزال، والتكثيف، والاتجاه نحو لغة ثالثة، تعينهم على توصيل أفكارهم، وموضوعاتهم، وفي معمعة هذا التشكّل غابت تلك اللغة البسيطة، والعفوية التي امتازت بها القصيدة الشعبية، والتي كانت تعبّر عن يوميات الإنسان البسيط، ليحل محلها شعر غزير الإنتاج، متعدد المضامين، معقد الأسلوب، والطرح.

ورغم كل هذه الإفرازات المرحلية، يظل الشعر شعرا، مهما كانت لغة كتابته، أو شكلها، ما دام يقف وراء هذا الإنتاج شاعر حقيقي، يعرف كيف يوظف أدواته ليصل إلى كافة شرائح المجتمع، وطبقاته الثقافية، والاجتماعية، فالبقاء في النهاية للشعر الحقيقي، مهما تباينت لغته، ومستواه، وأداة تواصله، وتوصيله للآخرين.