الأقدام أقدار

07 يوليو 2026
07 يوليو 2026

لقد عيب على أبي تمّام في قديم الشعر أن يخصّ الكعب والقدم بالمدح، وعُدّ ذلك من سقطاته، إذ قال في أبي سعيد محمد بن يوسف الثغر: «رَقِيقُ النَّعَالِ، بَعِيدُ المَحَالِ، ضَخْمُ الكُعُوبِ، جَمِيلُ الجُمَلْ»، فقال الآمدي في هذا البيت ناقدا: «إن رقة النعال وضخامة الكعوب ليست مما يُمدح به الملوك والأمراء». غير أنّنا اليوم نُعيّر الأقدام بميزان الذهب. اليوم تتوجّه أنظار العالم ومشاعر أناسه إلى متابعة مقابلات كأس العالم لكرة القدم، وأنا من آخر الناس الذين يهتزّون فرحًا أو فرقًا للعبةٍ، ولكنّي في آخر عمري تخلّصتُ من التقيّد بالنصّ وصرتُ أنظر إلى العالم بمختلف مظاهره نصّا وسيعًا يفوق أثره الورق الذي لازمني منذ طفولتي.

بلعبةِ أرجل يُصَاغُ العالم وتُعرَف أماكن وبلدان وتُبسَط تواريخ وحضارات، بقَدمٍ هي المتحكّمة في اللعبةِ على الميدان، وهي محطّ أنظار الملايين الذين انغرست عيونهم وعقولهم ومشاعرهم في ركلةٍ أو رأسٍ أو مراوغةٍ، حركاتٌ وإشارات وأفعالٌ تحتاج سيميائيات عميقة لإدراك أبعادها. أهدافٌ وانتصاراتٌ وهزائم تُسعد شعوبًا وتغمّ أخرى، فما هذه اللعبة التي فاق أثرها كلّ مؤثّر؟ تذوب الفوارق ويتخلّص الصفويّون من صفويّتهم، لا عرق، لا دين، لا قوميّة، إنّما هي المهارة والاستطاعة والقدرة، تجعل الأوروبيّ المنتفخ بعرقه، يقبل الإفريقي، ويُلبسه زيّه ويعطيه علمه ونشيده الوطنيّ، ويتقبّل صاغرا أو راضيا أن يُمثّله أصيل إفريقيا التي طالما عدّوا أناسها أدنى منهم، يجتمع الأبيض والأصفر والأحمر والأسمر على اختلاف أعراقهم ومواطنهم وأصولهم وإثنياتهم، يجتمع المسيحيّ واليهودي والبوذي والمسلم في فريق واحد وتحت عَلَم واحد، يرقب ملايين الجماهير، الفقير والغنيّ، الملوّن والأبيض، لاعبيه وقد تقبَّل ألاّ يكون صافي العرق أو شريك الدين. لقد قدرت الأقدام أن تُوحِّد، وأن تجعلنا نقبل الاختلاف أكثر من العقول ومن السياسات.

لقد تحوّلت في السنوات الأخيرة طبائع الفرق التي لم تعد تلتزم بأبناء البلد ليحملوا شارة الفريق القومي، وإنّما صارت الفرق القوميّة أرضًا للتعايش «السلمي» بين الأعراق، يُجَنَّسون ويتقبّلون الآخر المختلف، ويتجرّدون مؤقّتا من عنصريّتهم، حتّى ألمانيا فائقة الصفويّة لعرقها تقبّلت الآخر وأدمجته فيها، فهل تكون كرة القدم الأرض المقبلة لإحلال سلام عرقي إثني ديني لم تقدر الأفكار ولا الاعتقادات على إحلاله؟ أراقِبُ هذه اللعبة بدقّة، وأنا من غير الشغوفين بألعاب الكرة، وأجهل نزاعاتهم وصراعاتهم، وكنتُ أرى أنّها استلاب للعقل والفكر وملهاة لا فائدة منها، ولكنيّ أعتبرها اليوم ظاهرة حضاريّة حمّالة معان ودلالات، والأهمّ من كلّ ذلك أنّ اللعبة تعدّت كونها اللعبيّ إلى قدرة على تخفيف آلام الكون، فالناس يُصبحون ويُمسون على أخبار الحروب وعلى مستقبل يسوده الذكاء الاصطناعي وعلى الأزمات المالية، وعلى إيقاعٍ يُفضي إلى الاكتئاب والتدهور، كأس العالم تنقذ الكون من اجترار مشاغله، تتبدّل أحاديث المقاهي، ومشاغل الشباب والشياب، هنالك فترة استراحة من نكد العالم.

حركاتٌ يأتيها أعضاد هذه اللعبة من لاعبين ومدرّبين وجمهور هي بؤرة العدسات، تُنتَقَى وتُخرَج إلينا، إلى مئات الملايين من المشاهدين الذين يرونها في نفس اللحظة، ويرون منها ثقافات وسلوكات وحضارات لشعوبٍ، المسلم الذي يقرأ فاتحته والمسيحيّ بجواره يرسم صليبه، الإفريقي والياباني والهندي والأوروبي في نفس اللعبة ونفس الملعب، تحكمهم قوانين اللعبة فقط، تذوب قوانين العالم وسياساته، تذوب القوّة ويصمت السلاح وتختفي الطائرات الشبح وأصداء القنابل، وتحضر خضرة الملعب وجمهور فرح سعيد ولاعبون حلّوا بمزاد مخفيّ فيه تُقدَّر الأقدامُ وتُضبَطُ أسعارها وآثارها مهما كان انتماؤها، أقدام تُثَمَّن وتُعيَّرُ وتتحدّد موازينها ذهبًا وياقوتًا بمبالغ تتعدَّى الخيال وميزانيّة بعض الدول، من وراء هذه اللعبة الساحرة تجارة جديدة رائجة، يُباع فيها البشر ويُشتَرون بأرقام تتجاوز الخيال وميزانيات بعض الدول، تجارة اللاعبين والمدرّبين والمُعدّين البدنيين، عالمٌ من الأموال تُضَخُّ فيه حتى يُمكن أن يُقيم جمهوريّةً مستقلّة لكرة القدم. ولعلّ هذا التناقض هو أعجب ما في هذه اللعبة، أنّها في الملعب تُذيب الفوارق وتُسوّي بين البشر، وخارجه تصنع فوارق من نوع آخر، فالقدم التي توحّد الجماهير في الملعب تُباع وتُشترى في مزاد خفيّ تُقدَّر فيها الأقدام ذهبًا وجواهر.

ولا تخلو اللعبة من السياسة وإن تبطّنت ولم تظهر. عوالم تجتمع وثقافات تتآخى، القديم والحديث، الأسطوري والحقيقي، التقني واليدوي، ولكن الفعل الحقيقي بالساق والرأس، لا ذكاء اصطناعي في أصل اللعبة ولا تقنية، وإن كانا حاضريْن في الإعداد والاستعداد والإخراج، غير أنّ الجسد هو المرتكز وهو الفاعل الأساس.

شدّ انتباهي في هذا ما يعمل عليه اللاعبون في رغبة في التميّز والتفرّد بغير اللعب، بالرسوم على الجسد، بحركات وإشارات باليد أو بملامح الوجه، والعدسات ترصد كلّ نَفَس، كلّ حركة، كلّ إشارة، عين الرقيب المسلّطة على الملعب عين دقيقة، لا تتجرّد من إيديولوجيا تحكمها، ومن ورائها سلطة الصورة والمتحكّمون فيها. النرويجيون، على سبيل المثال، أتوا بثقافتهم وحضارتهم في الملاعب، بتأدية حركة الفايكنج واستعمال ملابسهم، بالرغم من إمكان دلالاتها السلبيّة على بقيّة العالم، فهم في أصل قراصنة، وواصل لاعبو الفريق الاحتفاء بحضارتهم، عندما أنهوا المباراة بالفوز وجلسوا في الملعب لتأدية حركات القراصنة صحبة جمهورهم، وهم الذين قرصنوا فوزًا على أعتى فريق وأشدّه. تعدّت الأقدام اللعبة إلى سيميائيّة عميقة في تمثيل الشعوب، وإحداث موازنة جديدة لا يتفوّق فيها بالضرورة طغاة الكون، وإنّما يشدّ مئات الملايين لاعب مهما كان لونه أو عرقه أو دينه، وتجد الشعوب الواقعة في الظلّ علّة لاستعادة وجودها وإظهار تاريخها.

يهرب العالم إلى اللعب بعد أن ملّ الجدّ، غير أنّنا دوما لا نرى إلاّ بعيونهم، برؤية عين الراوي العليم الذي يختار لنا دموع لاعب بعد خسارةٍ، تُرافقه العدسة إلى غرفة ملابسه، وتركّز الرؤية على علامة صليب ترصَد أو سجدة تُؤدّى، أو جميلة تُشجّع، وراء العين التي نرى بها عين تتحكّم في منظورنا وتُحدّد وسع نظرنا. لعبة لم يتركها أصحاب المال والأعمال تمرّ دون عناية بها، بالإشهار المعلَن والمُسرَّّب، بالاتّجار في اللاّعب والملعب، ببيع الصورة وحمولتها، ببيع الوهم للأجيال أن يحلموا بنيْمرة أو كرستنة أو مَسْيَنة. أصبح نجوم الكرة بمبالغهم الخياليّة التي تُعدّ حسبانًا بالثواني آمال أجيالنا، ولم نُعدّ لهم مهربًا لحلم بديل يُواجهون به أثر واقعهم ويُخفّفون به من سطوة أحلامهم. تبقى كرة القدم في ظاهرها لعبة أقدام، غير أنّها في باطنها حضارة كاملة، تختزل الإنسان بكلّ تناقضاته، جماله وقبحه، وحدته وتوحّده، فرحه وترحه، سلامه وحربه.

وقد أدرك ذلك الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو إذ قال إنّه يجوب الملاعب يدُه ممدودة متوسّلاً حركة جميلة، ولا يعنيه حين تقع من أيّ قدم جاءت ولا إلى أيّ علم انتمت. ولعلّ في هذا سرّ اللعبة الذي لم يفكّ أحد طلاسمه، أنّها تمنحنا لحظة ننسى فيها ما يُفرّقنا، ونتذكّر فقط أنّ الأقدام أقدار.

محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي