خذلان الأصدقاء

07 يوليو 2026
07 يوليو 2026

قلما تأخذنا الحياة إلى الأسئلة والأجوبة معًا. قدر الأشياء أن تبقى ملغِزة أو غير قابلة للتصديق. لهذا نخطئ نفس الخطأ عشرات المرات مثلًا. خلال الفترة الماضية كنت أقرأ رواية أصدقائي لهشام مطر، بينما يربكني سؤال الصداقة، هكذا كأنما أجد في القدر صدى لما يشغلني.

لم يكن هذا أول عمل أقرأه عن الصداقة؛ فمن بين أكثرها رسوخًا في ذاكرتي صديق لابن عم فيتغنشتاين لتوماس برنهارد. نص بديع لا يتكرر، نثر بيرنهارد وتلك الصداقة.

لطالما آمنتُ بأن الصداقة أسمى العلاقات الإنسانية. ففيها، على نحو ما، نختار من نحب، ونقرر الاحتفاظ به في حياتنا. قليلون هم الذين يحظون بأصدقاء حقيقيين؛ بعلاقات طويلة الأمد تشهد على تحولاتهم، وحماقاتهم، وازدهارهم، وانكساراتهم.

مع مرور الوقت، أدركت أن خذلان الصديق هو الأشد وطأة بين كل أشكال الخذلان أيضًا. وربما للأسباب نفسها التي جعلت هذه العلاقة هي الأسمى.

ما يثير دهشتي حقًا هو استعداد إنسان أحببته بصدق لأن يتخلى عنك بسبب خطأ ارتكبته. ولم أقل «مجرد خطأ»؛ لأنني أدرك أن بعض الأخطاء قد تكون فادحة. لكن ما الخطأ الذي يكفي للتخلي عن صديق حقيقي؟ وكيف تهون فجأة كل لحظات الوصال، وكل الزمن الذي تشاركتموه؟ كيف يصبح الماضي الذي صنعتموه معًا، والحيوات التي تداخلت حتى غدت جزءًا من بعضها البعض، قابلًا لأن يُمحى؟ وكيف يُفرَّط بكل احتمالات المستقبل الرائعة؟ مؤلم للغاية أن تلتفت في لحظة مصيرية إلى جانبك، فترى أن حربك الحالية مع صديقك هذه المرة، ذلك الذي ظننت أنه في صفك فحسب، كان ذلك مسلمة من بين مسلمات قليلة ما زلت تحتفظ بإيمانك بها. وها هي الآن تبعث في نفسك الشك وتطعنك بلا هوادة.

لا تكون الحياة مدهشة بالقدر الذي سيمنحك تمرينات لائقة على أن تفتح عينيك رغم النور المشع الكثيف الموجه نحوهما. ستظل غضًا مهما حدث، تترك الأبواب مشرعة في لحظات الأمل، ومواربة في لحظات اليأس، لا، لن تتوقف الحياة عن إدهاشك بالقدر الذي ستغلق فيه الأبواب. ومهما حاولت حماية نفسك من الألم، عبر اختراع المسافات بينك وما يُعذبك، لن يُغير ذلك من قابليتك لأن تُدهش من جديد لخساراتك القادمة، كأنك لم تعش ما عشته، ستبقى الحياة مدهشة حقًا.

في فيلم The North الهولندي والذي أُنتج عام 2025، من إخراج وكتابة بارت شرايفر (Bart Schrijver)، يعبر صديقان مئات الكيلومترات مشيًا على الأقدام معًا. اتفقا على هذه المغامرة قبل عشر سنوات، لكن الحياة أخذتهما إلى مكان آخر. مع ذلك ها هما هنا، يحاولان استعادة تلك الصداقة، لكن الفيلم على العكس من ذلك، يتجنب كلمة «استعادة» إذ إن الشخصين كأنما سيخرقان ميثاقًا غليظًا إن هما شكا في لحظة واحدة أن تلك الصداقة العظيمة قد تغيرت. لهذا الاعتراف بحد ذاته أثر لا يُمحى، إن له قدرة تدميرية كبيرة.

ومع بدء المغامرة نحو النقطة النهائية في الرحلة، ومع عبور المرتفعات والجبال، والوقوف بجانب الأنهار، بينما لا يتحدثان كثيرًا بالضرورة، يتفجر توتر مروع، أعني بالنسبة للمشاهد، كنت قد شاهدت الفيلم في رحلتي لأدنبرة، في صالة سينما، معظم من فيها أزواج من كبار السن، بكيتُ كثيرًا في الصالة بسبب الخوف من ذلك التوتر الدرامي غير المفتعل، التوتر داخل الشقوق الصغيرة، داخل الصمت، داخل انتظار كل واحد منهما للآخر.

في نفس الفترة كأنما تتواصل الإجابات على سؤالي هذه المرة عن الصداقة شاهدتُ الفيلم الأمريكي Sorry,Baby والذي أُنتج عام 2025، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة والكاتبة إيفا فيكتور (Eva Victor)، التي تؤدي أيضًا دور البطولة.

نعيش مع صديقتين، ثم نختبر المسافة بينهما. تلك الصداقة الحساسة للغاية لما تجري في الهواء المشترك، لتورط إحداهما بمشكلة، أو قوع إحداهما في الحب، وفي لحظة تبدو هادئة أيضًا يتفجر الصخب، تقول لصديقتها: أرجوكِ لا تموتي.

ربما يختلف هذا الفيلم في كونه لا يرثي الصداقة، ولا يتعامل مع تغيرها بوصفه مأساة، بل يصادق على هذا التغير. فالأصدقاء يكبرون، وتتبدل حياتهم، ويفتح الواقع أمامهم طرقًا لم تكن في الحسبان، وليس في ذلك ما يستوجب الأسى. أما أنا، فلا أقبل ذلك. لا أقبل أن أتغير، ولا أن يتغير أصدقائي. ذلك، بالنسبة إليّ، هو خرق للميثاق الذي تحدثت عنه.

أما عن رواية أصدقائي للكاتب الليبي هشام مطر، والتي صدرت عام 2024 باللغة الإنجليزية بعنوان My Friends، ووصلت إلى القائمة القصيرة لـ جائزة بوكر 2024.

الرواية التي صدرت ترجمتها العربية مطلع هذا العام 2026 بتوقيع من المترجمة العمانية الرائعة زوينة آل تويه، نتابع حياة ثلاثة أصدقاء، بين ليبيا ولندن فترة حكم القذافي لعقود ثم الثورة عليه. تعتمد الرواية على أن الصداقة ثيمة أساسية للنظر في قيمة الانتماء وصناعة الذاكرة، إننا عبرها ننظر إلى العالم، الصداقة عالمٌ يستطيع أن يُفسر كل شيء آخر، من خلالها نرى النظام السياسي يسقط، ومشاعر الهشاشة والتعقيد من الصداقة نفسها، سيان.

لم يكن في نيتي، الإشارة لأفلام وكتب في هذه المقالة. لم أبدأها بالحديث عن الصداقة بشكل مجرد. أنا متورطة فعلًا في «الخذلان» ولا أريد إلا أن تصبح كتابتي عزاءً مفتوحًا. حِدادًا وان كان غنائيًا على أصدقاء تخلوا عنا أو مستعدون للتخلي عنا، رغم كل ما حدث بيننا، كأنه لم يحدث.. تمامًا مثلنا نحن، كأنما لم نحدث قط.

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية