ميز (رولان بارت) بين نوعين من القراء الذين يقرؤون النص الإبداعي ويسهمون في إنتاج معنى العرض المسرحي: القارئ الأول هو «الذي يقترب من النص بفكر إبداعي»، أما الثاني فيصفه بـ«المستهلك السلبي الذي يتلقى المعنى الواضح بطريقة غير نقدية». إن استخدام مصطلح القارئ في هذا السياق لا يقتصر على قارئ النص المكتوب، بل يُقصد به بوصفه مفهومًا تأويليًا يَشمل قارئ النص ومُتلقي العرض المسرحي على السواء.
يمكننا أن نفهم أن تلقي لغات العرض المسرحي المتعددة يمر بمراحل لا حصر لها من المرجعيات، وهو ما أطلق عليه (م. ريفاتير) اصطلاح «إطار قراءة»، ويعني بذلك «مجموع البنيات الذهنية التي تظهر لدى قارئ لعمل ما من خلال قراءات سابقة؛ حيث نجده منقادًا إلى إعادة تكوين العمل الذي رآه بحكم الرصيد السابق.
فإذا سلمنا بتوفر حصيلة ثقافية مركبة من المعرفة الإنسانية يستنتجها القارئ في أثناء قراءة نص المبدع فإن الحصيلة تلك تختلف اختلافا مركبا لحظة تلقي العرض المسرحي الحامل بالعلامات والمرجعيات، بل إن المتلقي وهو المتفرّج يبذل جهدًا مضاعفا عند استقبال دلالات العرض المختلفة كعلامات جسد الممثل والإضاءة والأكسسوار إضافة إلى صوته ومنطوق الكلام.
فالقارئ يقرأ مثلا عبارة هاملت «أكون أو لا أكون تلك هي المسألة» قراءة تخيلية أقرب ما تكون إلى قراءة جملة سردية. في حين إذا تلفظ بها الممثل فإن نبرات صوته تعمل كموجه أول لتلقيها، وسيختلف نطقها في حالات نفسية متباينة من الحزن أو الفرح، أو بصيغ متفاوتة حسب الموضع الذي تقال فيه.
أما القارئ المستهلك فاستقباله سلبيٌّ أشبه بحالة خرسٍ تأويلي لا يمكنه استقبال الألفاظ ولا فهم معانيها، وهذا يذكرنا بما أشار إليه (إمبرتو إيكو) حول وجود عدد من القراء الذين يشبهون الآلة المُعطلة عن العمل.
فإذا انتقلنا إلى السؤال التالي: هل جميع النصوص لديها كثافة من الأفكار الإبداعيّة ليتفق حولها القراء جميعهم؟ بالطبع لا؛ فهناك الكثير من النصوص التي لا ترقى لمستوى الإبداع، لكن يمكن أن يتوفر لها مُخرج مبدع ومجدد في أفكاره يستطيع تحويل الكلمات الجامدة إلى حياة. عند هذه النقطة يتبلور سؤالٌ عن نوع الإنتاج الذي ينجح معه العمل.
إن لغات الإخراج المعاصرة بفضل التكنولوجيا وتطور الإضاءة الرقمية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي أسهمت جميعها في تطوير لغات العرض المسرحي.
وظهر اليوم الإشكال القديم في العلاقة بين النصّ والعرض. كيف تمنح جائزة للنصّ؟ السؤال الأجدر بالطرح: ما النص الذي تقدمت به الفرقة المسرحية الفلانية للتسابق في المهرجان؟ يُسلّم أغلب العارفين بهذا الشأن أن نصّ الكاتب المؤلف من كلمات وإرشادات إخراجية ليس هو ذلك النصّ الذي جرى اختزاله في البروفة أو إعادة ترتيبه أو تفكيكه لإنتاج جماليات قد تكون ضد النص الأصلي، ووقع أمام الجمهور ولجنة التحكيم باسم المخرج عند تقديم العرض المسرحي.
وهذا صحيح إلى حد كبير. إن نص العرض يتمظهر من خلال مجموعة من العلامات الإخراجية عندئذ تذهب الجائزة إلى أفضل نص بناء درامي في العرض.
من هنا؛ علينا التسليم بإمكانية وجود مخرج إبداعي يمتلك قراءة تنتج النصوص الدرامية وغير الدرامية محولا إياها إلى كيانات متفرّدة يمكن أن يتجاوب معها الجمهور. وهذا ما أكد عليه (تيري إيجلتون) بالقول: إنه «إذا كان عمل المخرج إبداعيا حقا فإنه لا بد أن يختلف بدرجة ما عن النص الدرامي، لا أن يكون محاكاة باهتة له».
في السياق نفسه لا بد من وجود علاقة قراءة للنص والممثلين مع الكاتب. إن التسليم النهائي بأن المخرج هو سيد الخشبة الأول والأخير دفع إخراج بعض النصوص الدراميّة إلى الخلف. فالمخرج الذي يكتفي بتسليم ممثليه للنص دون عقد ميثاق مع الكاتب؛ بحيث ينشأ في بروفات القراءة المتعددة اتصال من نوع ما مع الكلمات أو الإرشادات سيفاجأ في أثناء العرض المباشر بعثرات في النطق والصوت وضعف أو خلل، أو غياب الشعور النفسي الصحيح.
وأشد ما يظهر هذا الأمر لدى النصوص ذات الكلمات الممزوجة باللهجات المحلية الغارقة في محليتها واللغة العربية الفصحى. يمكن أن يتحكم الممثل الخبير في نقل مفردة حدثت في سياق يتصل بكرة القدم في دولة ما، وتحويلها إلى أسلوب فكاهي مثلا أو سياسي في بلد آخر؛ فإذا لم يكن الممثل عارفا بالظروف الاجتماعيّة لذلك البلد يمكن أن يتحول العرض إلى قضية سياسية غير مقصودة.
كذلك الالتفات إلى المقبول في بلد ما أو الممنوع مسألة نسبية جدا؛ ففي أحد العروض يرتجل الممثل كلمات شعبية من بلده بلحن من البلد المضيف فإذا الكلمات تتحول إلى اتهامات بازدراء الأديان. في هذا السياق استشهد بعرض مسرحي لاقى حضورا جماهيريا في بلده.
وعندما تقدمت الفرقة بطلب إجازة العرض لتقيمه في مهرجان سياحي لدولة أخرى كان النص يتضمن كلمات لا غبار عليها في سياق دولة العرض المشارك، لكن قبولها وتقديمها كما هي كان سيعرّض اللجنة إلى المساءلة الأخلاقية، فرفض قبول العرض إلا بعد شطب الألفاظ أو تغييرها. وهذا الموقف يمثل موقفا على أهمية قراءة النصوص في وجود الكاتب؛ لتجنب الوقوع في مظان لا طائل لها.
إن تجاهل دور الكاتب سيؤدي إلى خلل كبير نشاهده يتكرر في كثير من العروض المتصفة بالتجريبية. يظهر هذا في عروض المؤلف المخرج. وهي ظاهرة اكتسحت المهرجانات المسرحية في عالمنا العربي بلا حدود.
إن التطور الحادث في العروض التجريبية -في مجال ما حصرناه- يُربك الممثل بطرق كبيرة بعض الممثلين يؤكدون أن المخرج لم يبذل جهدا كبيرا في تدريبهم، وبعضهم الآخر يرون أن المؤلف تركهم يجولون في غابة الألفاظ دون ضابط.
لقد كثر صراخ النقاد والباحثين ولجان التحكيم الذين يرون وجود أنانية من نوع فاضح؛ فالكاتب الذي يريد إخراج نصه، يحاصر نفسه في نصوصه وأفكاره، ويكرر مفردات إخراجه دون انتباه إلى ما نصبه لنفسه من فخاخ في حين أن العمل الإبداعي سواء كان نصًا أو عرضا يتطلّب تضافر عناصر جماعية معا تعمل بروح الفريق دون التضحية بمقولة: إن المخرج هو سيد العرض.
وعند هذه النقطة يعود سؤال المقال الأول ليُطرح من جديد: أيّ نصٍّ نُكافئ؟ أهو نص الكلمات، أم نص العرض، أم ذلك النص المركّب الذي لا يُولدُ إلا من فعل قراءة جماعية يتقاسم فيه الكاتب والمخرج والممثل مسؤولية إنتاج المعنى؟