«أنزفيلغ»
06 يوليو 2026
06 يوليو 2026
في تاريخ الشعوب والمجتمعات تسطع أسماء شخصيات دوّنت أسماءها في سجل المواقف بما قدمت، وليس بما ملكت. وفي الأثر الشفهي والاجتماعي المتعلق بالكرم والسخاء والعطاء تبرز شخصية محمد بن سعيد كهوم الملقب بـ«أنزفيلغ»؛ وهي صفة مبالغة في السخاء، ثم تحولت الصفة إلى لقب يدلل على الفضل والإحسان، استحقه عن جدارة واقتدار؛ نظرًا لمواقفه النبيلة التي أحيتها الذاكرة الاجتماعية في الجود والكرم، وأصبح بذلك رمزًا للتكافل الاجتماعي في أوقات العوز والمجاعات. ولذلك حينما نرى مشاهد من التكافل، والهبّات المجتمعية، والعطاء الفردي والجماعي في أي حادثة أو واقعة نتذكر من خلدته الذاكرة وحفظت له مواقفه، ونحاول التعريف بأدوارهم ومواقفهم.
كان السخاء في وقت القحط عطاءً من العظم، كما يقال في المثل الشعبي الدارج، ولم يكن متوفرًا إلا في أيدي قلة من الناس ممن يمتلكون الماشية أو يعملون في اللبان أو التجارة، وكانت الموارد أيضًا شحيحة، ولذلك فإن العطاء المستمر يوقع صاحبه دائمًا في ضائقة. كان كرم «أنزفيلغ» نابعًا من شعور إنساني نبيل، يشعر بحاجة الآخرين ومعاناتهم في أزمنة صعبة وظروف قاهرة خارجة عن إرادة المجتمع. وحين كان الضنى والضنك يخيّمان على أحوال الناس، كان «أنزفيلغ» مقصدًا لمن آلمه الحال، فيجد لديه المحتاج حاجته، فيستقر به المقام، فيطعمهم من طعامه ويسقيهم من حليب مواشيه، ويرتحلون معه أينما حلّ وارتحل.
من الروايات الشفهية التي تتحدث عن كرم «أنزفيلغ» رواية تسرد قصة رهن ناقته لدى التاجر حسن بن سيدوف العمري، الذي ترك، في المقابل، أثرًا لا يُنسى وشاهدًا لا تخطئه العين، تمثل ذلك في بيته العامر المسمى «نزوى» في مدينة مرباط، ومواقف وشواهد في الكرم والسخاء والعون والتكافل. في يوم ما رهن «أنزفيلغ» ناقته «نخب» -سلالة من الإبل لا تزال باقية لدى أحفاده- عند التاجر بن سيدوف، وأخذ بقيمة الرهن مؤنًا من التمر والرز لإطعام أهل بيته والناس المحتاجين الذين يسكنون بجواره. وأراد التاجر بن سيدوف اختبار مدى صدق وعمق كرم «أنزفيلغ»، فأوعز إلى أطفال المدينة بالاصطفاف على الطريق الذي يسلكه «أنزفيلغ» عند العودة، وينادون عند مروره: «طعمت... فَلُهْ دلمت» (أي: أطعم أو امنع). فلم يتردد في العطاء، بل كان رده لكل طفل: «افرش رداءك». وبدأ بثقب كيس الأرز وهو على راحلته، ولم يعد إلى داره إلا بالقليل، ليواجه، كالعادة، اللوم والعتاب على إفراطه في العطاء. وفي اليوم الموالي، رجع إلى مرباط عند التاجر بن سيدوف، واشترى بالدين، كالعادة، المؤن الضرورية، فأخبره التاجر بما حدث، وفك رهن الناقة.
وفي موقف آخر رهن «أنزفيلغ» ناقة لدى التاجر ذاته بمبلغ قيل في حدود (100) ريال فرنس «عملة ماريا تريزا»، وحُدد موعد السداد بموعد «خطيل الإبل» في الصرب. وحتى لا يفقد «بن كهوم» ناقته عمل أشهرًا متواصلة دون كلل أو ملل في استخراج اللبان، ونقله من المواقع المسماة «منازل اللبان» إلى سوق مرباط، وعند انتهاء الموسم سدد «أنزفيلغ» ما عليه من ديون واحتفظ بناقته.
خلّد الكرم «أنزفيلغ»، وبقي إخلاصه في سجل الشهامة والإيثار، وتقديم المنفعة العامة على المصلحة الشخصية، ليسرد بذلك قصة من التاريخ الاجتماعي الذي يستحق التدوين والكتابة.
من المؤكد أن هناك قصصًا مشابهة من الجود والتكافل المُعبِّرة عن تأصل فعل الخير في النفوس، وما ذكرنا لهذه القصة إلا للتذكير بالفطرة الإنسانية النبيلة المتجذرة في المجتمع العُماني. وإن استمرار التضامن الأهلي المُجسد الآن في أكثر من موقف وحادثة، ما هو إلا إرث ممتد ومتجدد في المجتمع بواسطة مبادرات تكافلية، ودعم مؤسسات وجمعيات خيرية، وهبّات شعبية تثبت أن بذرة الخير التي زرعها الأسلاف لا تزال تنمو وتثمر في نفوس الأبناء، ويحصدها الأحفاد.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني
