قلّما يتسنى للنساء الوثوق بالنساء!

05 يوليو 2026
05 يوليو 2026

خرجتُ في الرابعة فجرًا، الظلمةُ تعمرُ الدرب وصوتُ الأذان العذب يُهدِّئُ من روعي. كان الفضول يدبُّ بداخلي كنشيدٍ خافت، فهذا ما يُصيبني عادةً عندما أكون على موعد مع شيءٍ مجهول. التقيتُ بثماني نساء من أعمارٍ مختلفة في نقطة الالتقاء المُحددة، ثمّ مضينا معًا برفقة فريقٍ مُدرَّب من النساء، قطعنا ما يقرب من 200 كيلومتر من مسقط إلى وادي «حاور» المُنبثق من وادي بني خالد، والأشد وعورةً منه.

انبسط الطريق تحت عجلات سياراتنا بين سهولٍ حجرية، تتخللها تلالٌ منخفضة وأوديةٌ جافة حفرتها السيول.

ثم تكشفت مزارع النخيل والبيوت الصغيرة كإشارةٍ تُومئ بالوصول. كان أكثر ما نخشاه درجاتُ الحرارة المُلتهبة، فلم أكن لأغامر من قبل خارج حدود فصل الشتاء. إلا أننا ارتدينا عُدَّتنا وأصغينا إلى تعليمات مُرشدتنا ومضينا.

لم أكن لأظن أن أحواض الطبيعة تعدُّ لنا مياهًا باردة تُثير العجب في قيظنا اللاهب. ولم أكن لأظن أنّ التجاويف الصخرية ستُظلِّل مسارنا كمعجزة.

لكن برك الماء المُخبأة، فيروزية اللون أذهلتنا بصنيعها، كما فعلت الشلالات التي تسقط من علٍ لتحفر بديعها في الصخر الصلد.

كان «الصد» الصغير ينعمُ بقبيلته المُتكاثرة واليعاسيب تُجرِّبُ أجنحتها في دورة حياتها القصيرة، بينما تهنأ الضفادع بنزهتها وصيدها، ونحن نرهفُ السمع إلى الضجيج الأبدي الذي شقَّ التواءاته بتأنٍ عبر ملايين السنين.

أن تتغلغل في الماء يعني أن تغدو ماءً، أن تتمتع بمرونته وصمته، أن تعتلي صخرة، أو أن تمر عبر نفق ضيق، أن تغوص في شقٍّ حجري لتبلغ غايتك.

أن تغادر خوفك وأنت مُعلَّق بحبل النجاة، نازلًا ثمانية أمتار وماء الشلال يغسل وجهك وروحك على حد سواء. فنحن النساء قلّما يتسنى لنا أن نثق بالنساء، لا سيما في مسائل يعقبها «حياة أو موت». ولذا تغدو خطوة وجود نساء مُدرَّبات، بالتعاون بين وزارة التراث والسياحة وهيئة الدفاع المدني والإسعاف، كفيلةً بتغيير خريطة المشهد.

لقد سمحت لنا قائدة الفريق بأن نتجاوز خوفنا وارتجاف قلوبنا. كانت تعرف أين ينبغي أن نضع أقدامنا وأيدينا، ولذا بدا لي أنّ كسر حدود ما يُشيده جسدي وعقلي من أوهام ومآزق بمثابة ولادة أخرى!

لقد كانت لي من قبل تجارب مع فرق نسائية غير مُدرَّبة، تُغامر بأخذ النساء في رحلات لا يستطعن تحمّل مسؤوليتها، وهنا تقع الكارثة!

منذُ بداية كورونا وأنا أراقبُ نمو هذا القطاع في عُمان، لا سيما للنساء.. المسألة ليست ترفا كما يظن البعض، طوال رحلاتي كان لدي الفضول لأعرف أسباب خروجهن.

التقيتُ بطبيبات يستعدن ما تسلبه آلام المرضى منهن، كما التقيتُ بمهندسات ومتقاعدات وربات منازل ومؤخرا بضابطات سطح يقضين أشهرا في البحر.

نساءٌ يؤمن بضرورة أن يتقوى الجسد والروح بالقرب من الطبيعة، أن يلمسن الماء ونتوءات الصخور، أن يرقبن نضال الكائنات الضئيلة في بيئاتها.

كما يُتيح هذا النوع من الرياضات فرص التعرف على بشر جُدد وتكوين صداقات خارج مكاننا المألوف.

قبل أسبوعين ذهب ابني للمكان ذاته برفقة أصدقائه، مُستعينين بنزقهم الشخصي، فعادوا بحروق جلدية وجروح. كانوا قد سلكوا طريقًا خاطئًا اعتورته المشقة الجامحة. عندها أدركتُ أنّ الذهاب مع فريقٍ مُدرَّب يعرف الممرات الآمنة يُحدث فرقًا حقيقيًا، لا سيما في مسائل تتعلق بمنسوب المياه بعد الأمطار، والإسعافات الأولية وقراءة تضاريس الأودية.

ومع ذلك، لا يزال بعضهم يزدري إجراءات السلامة البسيطة، كالخوذة وسترة النجاة!

المسألة لا تتعلق بالأفراد وحدهم؛ فالدولة أيضًا معنية بالنظر إلى هذا القطاع بعين الاهتمام.

فالأودية العُمانية تشهدُ إقبالًا خليجيًا وعالميًا مُتزايدًا صيفًا وشتاءً، كما تخبرني مُنظِّمات الرحلات، فالكثير من المواقع لا يزال غير مُكتشف، أو غير مُعلَّم بالعلامات الدالة.

كما أنّ توفير دورات مياه ومقاهٍ أو مطاعم قريبة من مناطق الانطلاق، باتت مسألة تتجاوز الترف العابر، في ظل سعي عُمان إلى تنويع مصادر الدخل.

الطبيعة لا تحفلُ بنا، لا تُجارينا في لهاثنا اليومي. ترقصُ بتمهل لافت منذ الأزل، نكاد نظن، من فرط عزلتنا في مدننا الاسمنتية أنّها غير موجودة.. لكنها هنالك تعجُّ بروية في مكانها المتواري على لحنها الخافت.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»