الطريق القديم بشروط جديدة
31 أكتوبر 2026
31 أكتوبر 2026
يبدأ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- غدًا زيارة دولة إلى جمهورية الصين الشعبية، هي الأولى لسلطان عُماني إلى الصين، بعد ثمانية وأربعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مايو 1978. والصلة أقدم من ذلك بكثير؛ فالروايات التاريخية تعيدها إلى نحو عام 750 للميلاد مع وصول بحار عُماني من صحار إلى ميناء كانتون، فيما توثّق المصادر الصينية رسوّ سفن الأميرال تشنغ خه في ظفار مرارا في القرن الخامس عشر. هذا الإرث البعيد يمنح الزيارة رمزيتها، غير أن مضمونها ينتمي إلى الحاضر واقتصاده وتحولاته.
فقد أكد سعادة أنور بن أحمد مقيبل، سفير سلطنة عُمان المعيّن لدى الصين، في حواره مع «عُمان» أن الزيارة ستشهد توقيع اتفاقيات استثمارية هي الأكبر من نوعها في تاريخ علاقات سلطنة عُمان بالدول الصديقة. وتكوين الوفد المرافق لجلالة السلطان المعظم يعزز هذه القراءة، إذ يضم رئيس جهاز الاستثمار العُماني، ووزيرَي التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والنقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ومحافظ البنك المركزي.
والصين الشريك التجاري الأول لسلطنة عُمان، وقد بلغ التبادل بينهما نحو 32.9 مليار دولار في عام 2025، أكثر من ثمانين في المائة منها صادرات عُمانية يتصدرها النفط الخام. وللاستثمار الصيني في سلطنة عُمان سوابق معروفة، من تطوير «المربع 5» النفطي مع شركة البترول الوطنية الصينية إلى حضور الشركة الوطنية الصينية لشبكات الكهرباء في نقل الطاقة، وهي سوابق بقيت في معظمها داخل دائرة الطاقة، لذلك تكمن أهمية الاتفاقيات المنتظرة في قدرتها على تغيير تركيبة العلاقة، ونقلها من تجارة الخام إلى الاستثمار في الصناعة والهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والتجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي. وقد مهّدت اللجنة العُمانية الصينية المشتركة لهذا الاتجاه في دورتها العاشرة، حين طرحت مقترحا لإنشاء مجمع صناعي متكامل لسلاسل توريد الطاقة المتجددة، وناقشت إنشاء مستودعات ذكية ومراكز توزيع للتجارة الإلكترونية في الدقم وصحار وصلالة.
ولا تنفصل قراءة التوقيت عن حال الإقليم، فالمنطقة ما تزال تحت وطأة حرب استنزفت اقتصاداتها وأربكت ممرات الطاقة فيها، وفي مثل هذا المشهد ترتفع قيمة ما تملكه عُمان من موانئ مطلة على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، واستقرار سياسي راسخ، وعلاقات متوازنة مع الأطراف كافة. والصين، التي يعبر هذه المياه جزء كبير من وارداتها من الطاقة، تبحث عن شركاء تطمئن إلى ثباتهم في منطقة مضطربة، وترى في عُمان بوابة إلى المحيط الهندي والساحل الأفريقي. ومن هنا يتصل المسار الثنائي بالمسار الخليجي الأوسع، وبمساعي استكمال مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون.
وتأتي الزيارة بعد أيام قليلة من زيارة دولة قام بها جلالته إلى المملكة المتحدة، وبعد أقل من شهر على زيارة دولة إلى كازاخستان، وتمتد بعد بكين إلى بروناي دار السلام، وفي هذا التتابع تتضح ملامح المنهج العُماني الذي يكشف عن علاقات تتوزع على مراكز القوة في العالم، شرقا وغربا، دون أن تُعامَل إحداها بديلا عن الأخرى، وقناعة بأن الدولة الموثوقة لدى الجميع أقدر من غيرها على صون مصالحها في زمن الاستقطاب.
على أن ضخامة الاتفاقيات، مهما بلغت، لا تكفي وحدها مقياسا للنجاح، فتجربة المنطقة مع مذكرات التفاهم الكبرى تقول إن التوقيع أيسر مراحل الطريق. المقياس الذي يعني المواطن هو ما تستطيع هذه الاتفاقيات توفيره من وظائف للعُمانيين وما يتوطن من المعرفة التقنية والصناعات الجديدة التي يمكن أن ترسخ المنتج المحلي. وقد اتفق الجانبان في اللجنة المشتركة على تشكيل فريق عمل لإعداد خارطة طريق تنفيذية، وهي خطوة ينبغي أن تُستكمل بمتابعة معلنة ومؤشرات قابلة للقياس، يعرف منها الرأي العام ما تحقق وما تأخر.
تتحدث بعض الروايات عن بحار عماني اسمه أبو عبيدة أبحر من صحار إلى الصين قبل أكثر من اثني عشر قرنا حاملا بضاعته، وتذهب عُمان اليوم إلى بكين حاملة ما هو أثمن من البضائع، موقعا جغرافيا وثقة عالمية ورؤية واضحة لما تريده. الطريق القديم يعود إذن بشروط جديدة، أولها أن تُقاس الشراكة بما تبنيه على الأرض العُمانية.
