يختتم جلالة السلطان اليوم زيارة دولة للمملكة المتحدة بعد أيام احتفت فيها بريطانيا بضيفها الكبير وأطلقت المدفعية طلقاتها تحية له، وسار جلالته في موكب العربات في شوارع وندسور باتجاه قلعتها العريقة قبل أن يحتفي به الملك والملكة في مأدبة عشاء في قاعة القديس جورج.
ورحب الملك بجلالة السلطان باللغة العربية واستحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنّ أهل عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك»، وقرأ بيتا لأبي مسلم البهلاني وآخر لابن شيخان السالمي.
ولهذه الصور جمالها وقد تابعها العمانيون باعتزاز مستحق، غير أن قراءتها الدقيقة تبدأ من عُرف بريطاني معروف هو أن زيارات الدولة تُوجَّه باسم الملك لكنها تُقرَّر بطلب من الحكومة المنتخبة، وتستخدمها لندن لتكريم أصدقائها وحلفائها، فالحفاوة إذن في هذا العرف قرار دولة، ومضمونها رسالة سياسية تُقرأ في توقيتها.
والتوقيت يضاعف معنى الرسالة، فالمنطقة تعيش على مدى عامين أقسى فصولها منذ عقود: جولات أمريكية إيرانية رعتها مسقط في ربيع 2025 قطعتها الحرب، ثم حرب أوسع منذ فبراير الماضي أُغلق معها مضيق هرمز، ويسجّل أكتوبر الجاري أعلى وتيرة للهجمات على السفن التجارية منذ أسابيعها الأولى. ودفعت سلطنة عُمان المطلة على الضفة الجنوبية للمضيق نصيبها من كلفة هذه الحرب وتحملت معه ضغوطا متقابلة لأنها أبقت قنواتها مفتوحة مع الجميع.
وفي هذا السياق تحديدا خص الملك تشارلز بالإشادة التزام عُمان الراسخ بأن تبقى طرفا يثق به الجميع، واستعاد تعبير جلالة السلطان عن الحياد البنّاء، مؤكدا أن أهمية هذا الدور تتجاوز مضيق هرمز بكثير، وأثنى على الجهود العمانية لإبقاء الممر مفتوحا لما فيها من خدمة للمجتمع الدولي وللأشد تضررا.
وحين يصدر هذا الكلام عن دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وفي أرفع مناسبة بروتوكولية تعرفها فهو تأييد بريطاني معلن لهذا النهج في اللحظة التي اشتد فيها اختباره.
أما جلالة السلطان فقدّم في كلمته تعريفا مكثفا لهذا النهج حين قال إن «الأمة الحكيمة تختار أن تُصغي»، والإصغاء في القاموس العماني موقف سياسي متكامل، قوامه أن البلد الذي يفهم هواجس جيرانه وخصومهم معا يملك قدرة على التقريب لا تمنحها الجيوش.
غير أن الإصغاء، مهما بلغت حكمته يحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات الإقليمية وإلى شراكات تجعل أمن البلد مصلحة يحرص عليها الآخرون.
وهنا تحديدا يكتسب الجانب الاقتصادي والأمني من الزيارة معناه الأعمق، فقد أعلن الجانبان اتفاقية لتسريع الاستثمار المتبادل تبني على شراكة الاستثمار السيادي القائمة منذ عام 2022، وتمتد إلى الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والمعادن الحيوية والفضاء والرعاية الصحية والخدمات المالية.
ورفعت هيئة تمويل الصادرات البريطانية طاقتها التمويلية للصادرات إلى عُمان إلى سبعة مليارات جنيه، وتتجه شركة بريطانية المنشأ إلى إقامة مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في صلالة تتجاوز كلفة مرحلته الأولى مليار جنيه. وهذه قطاعات تقع في صميم «رؤية عُمان 2040» وسعيها إلى تنويع مصادر الدخل.
وفي الجانب الأمني هناك تأكيد على أهمية تعزيز تبادل المعلومات والخبرات مع مركز الأمن البحري العماني، وهي خطوة يلتقي فيها أمن السواحل العمانية بأمن التجارة الدولية في أخطر ممرات العالم اليوم.
ويُضاف إلى ذلك تعاون في الفضاء، وفي الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في التعليم. والقاسم المشترك بين هذه البنود أنها تبني معرفة وكفاءات ومشروعات تستطيع أن تبقى بعد أن تضع الحرب أوزارها.
ولا حاجة إلى تجميل الحساب البريطاني، فلندن تبحث عن استثمارات تخلق وظائف في مدنها، وقد قال رئيس الوزراء آندي بيرنهام بوضوح إن الصداقة مع عُمان تعود بفوائد حقيقية على مواطنيه، وتبحث كذلك عن شريك موثوق على ضفة هرمز بعد أن صار أمن الملاحة فيه شأنا يمسّ الاقتصاد العالمي كله.
والمصلحة المتبادلة الواضحة أمتن أساس تقوم عليه صداقات الدول لأنها تجعل كل طرف حريصا على أن يبقى الآخر قويا ومستقرا.
وتتصدر بريطانيا مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان، بما يمنح الشراكة الاقتصادية قاعدة راسخة. وأمام التبادل التجاري، الذي يقارب 1.7 مليار جنيه، مجال للنمو، كما أشار رئيس الوزراء البريطاني.
والحكم على ما أُعلن خلال الزيارة رهن بما يتحول إليه من مشروعات ووظائف للعمانيين وخبرة تُنقل وتُوطَّن.
وفي كلمة الملك التي ألقاها في حفل العشاء فكرة تتجاوز اللحظة الراهنة حينما تحدث عن الأجيال القادمة وما ستواجهه من تحديات لا أحد يعرف ملامحها حتى الآن مؤكدا أنهم سيحتاجون إلى أصدقاء يُعتمد عليهم.
ولعل اجتماع صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم، وأمير ويلز على رعاية الجمعية البريطانية العمانية، بعد رعايتهما المشتركة لبعثة «جوهرة العرب» الاستكشافية، أوضح تعبير عن رغبة الطرفين في أن تعبر هذه الصداقة إلى جيل جديد بأدوات جيل جديد.
نصّت معاهدة عام 1800 على أن تظل الصداقة بين البلدين ثابتة «إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما»، وكانت تلك لغة عصر يكتب معاهداته بالبلاغة أما لغة عصرنا فتكتب بصرامة لغوية أشد كثيرا من تلك البلاغة فهي تتحدث عن الأمن البحري والتمويل والتعليم والذكاء الاصطناعي.
وقد جمعت زيارة جلالة السلطان اللغتين معا، وما تحتاجه المنطقة، وهي تبحث عن مخرج من حرب أنهكتها، دول تستطيع أن تفي بالثانية كما وفت بالأولى، وتدرك أن سفينة الصداقة التي وصفها جلالة السلطان بأنها «لا يثنيها تعاقب الأنواء» يتقاسم قيادتها شريكان، وثباتها في بحار مضطربة كبحارنا اليوم رهن بما يبذله كلاهما كل يوم.