غالب الظن..
وكأن الحياة ما ولدت إلا لأن يعيش الإنسان صراعا أبديا مع ذاته، في شكها وظنها ويقينها، كما تتعلق المسألة ذاتها بعلاقة الفرد بالآخرين من حوله الذين يشكلون دورا محوريا في هذه المسائل الثلاث، فهذا المعترك الدائم هو الذي يحول بين المرء وعقله، وبين المرء وقلبه، فما بين العقل والقلب سجال مستمر، حيث تلعب بينهما الذات الدور الأكبر، وإن حصل انتصار أحدهم على الآخر،
فذلك ما تسمح به الذات من قناعات، وبالتالي فانتصار العقل على القلب معناه الوصول إلى اليقين، وأما انتصار القلب على العقل؛ فمعناه غالب الظن، وهذا من منظور شخصي أو تقييم معرفي وفق ما يتيسر من رؤية لهذه الفكرة المطروحة.
في كثير من الأحيان، مع أن غالب الظن كذلك لا يستغني عن طرح أسئلة مماثلة حتى تتأصل القناعة، وترتاح الأنفس، وتهدأ المشاعر، وتكون الأمور على صورة بينة لا تتحمل كثيرا من طرح الأسئلة بعد ذلك.
وهناك مقولة رائعة حديث شريف يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم نصه: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» - انتهى النص - .
ومع ذلك فلا يعذر الإنسان مهما بلغت درجة القرابة بالآخر؛ أن يضع مسافة بينه وبين هذا الآخر، حتى لا تستغل طيبته، أو سهوه، أو قلة خبرته، وتوظف التوظيف السيئ، فالحياة كما هو ديدنها تضم بين جوانبها الخيّرين والسيّئين، والخيرة والسيّئة؛ هي طبيعة بشرية موجودة عند كل إنسان؛ بلا استثناء، فليس هناك نقاوة بالمطلق، ولا سيئة بالمطلق،
وإنما هناك ترويض للأنفس، ويتفاوت هذا الترويض بين فرد وآخر بناء على البيئة التي يعيش فيها، فهناك بيئات هادئة فلا تحتاج حتى إلى تحقق اليقين؛ فضلا عن غالب الظن، وهناك بيئات مستنفرة تستهلك كل درجات التحقق من الشك، وغالب الظن، واليقين.
لأن في ذلك مهلكة للّحمة الاجتماعية في تقارباتها الكثيرة بين أفراد المجتمع الواحد، خاصة إذا كان المجتمع يلمس الفرد فيه الكثير من التصالح والتقارب، والتواد، بين أفراده.
