«سقايات» العيادات الخاصة!
04 أكتوبر 2026
04 أكتوبر 2026
عندما تسلّلت العدوى بمخالبها الشرسة إلى بيتنا الأسبوع الفائت استعدنا بصورة غير محتملة فترة كورونا العصيبة. الحمى التي آثرت أن تسكن أبداننا لأيام متواصلة، والأنين الذي يصلنا من غرف الصغار مُبددا بهجاتنا الصغيرة، ونسمة الهواء المتقلبة التي تلوح بعذابات مُقبلة!
ولم يكن لنا من خيار سوى أن نُشدّ الخطى إلى العيادات الخاصّة بادئ الأمر أملا في الخلاص الأكيد من لحظات بغيضة جعلتنا حبيسي الأسرّة والآلام. وهنالك كنا نبحثُ عن ساحر يُفرقع سبابته بإبهامه، ليخرجنا من غصص الحمى وعذابات الاحتقان وفداحة الكحة الجافة التي تجعل صدورنا أشبه ما تكون بقطع زجاج مُهشم.. ولقد كان السحرة هناك بالفعل؛ فبعد سلسلة من الفحوصات التي تقصم الظهر نصفين بفاتورة عالية الكلفة يأتي دور «السقاية» والتي ما أن يمرّ دواؤها في عروقك حتى تشعر أنّك لست الذي جاء مُتغضنا كغصن ضعيف قبل حين، هكذا نبدو جميعا مُسرنمين وكأن أمهاتنا ولدننا في التوّ والساعة. أتذكر وجه العاملة الفلبينية الممتقع منذ سنوات، وهي تنظر إلى مضاد حيوي صُرف لابنتي وهي صغيرة، كانت العاملة قد عملت من قبل في صيدلية في بلدها، فقالت لي مذعورة:«إننا لا يمكن أن نصرف شيئًا من هذا القبيل لطفل!»، والحقيقة أنني آنذاك لم أفهم سر دهشتها؛ ربما لأننا تربّينا على ثقافة واحدة: نريد أن نشفى بسرعة، نريد أن نتجاوز الألم في زمن قياسي دون أن نمنح أجسادنا حقها في أن تُعيد تشكيل محاربيها، وأن تتقوى وتتصلب من داخلها. فالجسد يتدرب على المقاومة أيضا، لكننا ما أن نلحظ تغيرا طفيفا في أنفسنا وأبنائنا، حتى نسارع بحثا عن منقذ يُعيدنا أفضل مما كنا عليه.
أحاديث كثيرة دارت بيننا وبين أسر أخرى وصلت إلى نتائج فادحة لفرط ما أنّها اعتمدت على هذه الأدوية القوية والسقايات، ووجدتُ مؤخرا -رغم أني لا أملك أرقاما أو إحصائيات بهذا الشأن ولكن من خلال العائلة والجيران والصداقات- وجدتُ أن ثقافة العودة إلى المراكز الحكومية تزدهر، والمسألة ليست رهن بعد مالي وحسب، وإنما بسبب الموثوقية أيضا، هنالك حيث نبدو مرضى حقا لا زبائن محتملين!لا سيما وأنّها الآن مفتوحة طوال فترة الليل لتخدم شريحة واسعة من المراجعين. والحقيقة أن هذا هو ما فعلناه بالضبط، بعد أيام متواصلة لم نجنِ فيها النتائج المرجوة، فتمّ تشخيصنا على نحو مُطمئن.
ولستُ هنا لأقلل من شأن العيادات الخاصة أو لأذمها، فلطالما كانت مفيدة وتقدم خدمة رديفة، ولكني أذم تلك الرغبة الملحة في حصولنا على شفاء نهائي من أول إبرة.. ثمّ تتبدى النتائج المخيّبة للآمال، فما أن يتعود الجسد على هذا النوع من الجرعات حتى يركن إليها دفاعيا مُعطلا نفسه، بل قد يطلب الجسد المتخاذل في كل مرّة أن نتجاوز تلك الجرعة لأخرى أشد منها. وهذا ما جعلنا من قبل نرجم مستشفيات الحكومة أعني أنّها كانت في ظننا لا تمنح إلا أدوية ضعيفة المفعول. وأظن أنّ علينا أن نسهم جميعا في تغيير هذه النظرة خصوصا مع أطفالنا الصغار الذين لا يملكون حيلة أمام الخيارات التي نختارها بالنيابة عنهم..فعلى الجسد أن يأخذ وقته، وأن يكتسب مناعته على مهل.
ويبدو أننا جميعا في لهاث مسعور وراء العيادات التي يمكنها أن تُقصر عمر المعاناة، ولذا فحكم الجودة يأتي تماما من هذا التفصيل الصغير والناعم. فنسمعُ دائما كيف تركل النصائح بشأن العيادات الجيدة، كأن يقول أحدهم: «دخلتُ متهاويا وخرجتُ مثل الحصان».
بدأتُ مؤخرا في قراءة كتاب لافت بعنوان «هبة الألم» للدكتور بول براند، يحكي قصّة حياته المهنية الملهمة التي امتدت لخمسين عاما. في هذا الكتاب يتعمق براند في تأمل أسرار الألم وحاجتنا إليه نحن البشر، «جمال الألم يكمن في أنه يُعْلِمك فوراً إذا ما كنت تؤذي نفسك»، ونحن كما يبدو نؤذي أنفسنا لأننا لا نصغي إلى أجسادنا، لا نمنحها الوقت الكافي لتعبر مزالقها ونتوءاتها الحرجة. نريد أن نُشفى بسرعة لنعود إلى عجلة حياة الهامستر راكضين بما نظنه الجسد المعافى.. وكأننا على نحو ما متأكدين أنّ الألم «هو الهبة التي لا يريدها أحد»!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى
