«الشي الجميل نقول عنه جميل دايمًا»

03 أكتوبر 2026
03 أكتوبر 2026

هذه العبارة في العنوان قالها لي أحمد درويش الحمداني في إحدى رسائله الهاتفية، وأظنها تصلح مفتاحًا لقراءة شخصية هذا الكاتب والإعلامي والفنان العُماني الذي أَحبَّ الجمال، وظل يبحث عنه ليقدمه عبر ميكروفون الإذاعة أو شاشة التلفزيون في حكاية درامية، أو برنامج إذاعي، أو دور يؤديه ممثلًا أو مخرجًا.

لا أدري إن كان يفعل ذلك مع بقية الزملاء في الإذاعة، ولكني اعتدتُ منه رسالة مقتضبة كلما سمع شيئًا أعجبه، كان آخرها قبل حوالي شهرين حين سمع حلقة من برنامج «نوافذ ثقافية» فيها فقرة عن الفنان اليمني الراحل عبد الرحمن الحداد الذي كانت له مكانة خاصة في نفسه.

ظهر أحمد درويش كمؤلف درامي عُماني في مطلع تسعينيات القرن الماضي في الوقت المناسب تمامًا إن جاز لي قول هذا. في ذلك الوقت كان مؤلفو الدراما العُمانيون الجيدون يُعدون على أصابع اليد الواحدة، على رأسهم أمين عبد اللطيف في التلفزيون، الذي هو أيضًا مخرج متمكن، وجمعة الخصيبي وخليفة الطائي في الإذاعة. وبدا الحمداني وكأنه استلم الراية من زملائه ليواصل بها المسيرة في السنوات التالية، بادئًا الرحلة بمسلسله الإذاعي «يوميات سعيد وسعيدة» الذي أغرى نجاحه بتحويله إلى مسلسل تلفزيوني، ليصبح إلى اليوم من أهم الأعمال الكوميدية العُمانية، وأضحت شخصية «سلوم الحافي» التي صنعها من خياله من أشهر الشخصيات الكوميدية العُمانية، حدّ أنها ظلت ملتصقة بمؤديها الفنان سعود الدرمكي حتى رحيله. وقد عاد الحمداني إلى هذه الشخصية في عدد من المسلسلات الإذاعية الأخرى بعد أن أضاف إليها شخصية لا تقل أهمية أو شهرة عنها، هي شخصية «الشايب خلف» التي أبدعها جمعة الخصيبي وأمين عبد اللطيف في الثمانينيات في المسلسل التلفزيوني «مسافر خانة». فكتب عدة مسلسلات إذاعية تجمع هاتين الشخصيتين، مثل «كلام السلف مع سلوم وخلف»، و«خلف وسلوم في أيام الصوم»، و«الكلام المعلوم مع خلف وسلوم».

بعد «سعيد وسعيدة» توالت أعمال أحمد درويش التي تحمل بصمته المميزة، وكان يقدم بعضها للإذاعة أولًا ثم يحولها إلى التلفزيون، كما حدث مع «وغدًا تبتسم الحياة»، و«وكان ذات يوم»، و«أولاد العسم»، و«إنسان من هذا الزمان». هذا عدا أعمال خص بها التلفزيون وحده، مثل تمثيلية «النذر والضحية» التي ألف أغانيها أيضا، ومسلسل «عايش زمانه»، وأعمال أخرى كتبها للإذاعة مثل «هو وهي في الميزان»، و«أزواج وزوجات»، و«عندما يخفق القلب»، و«رجل محظوظ جدا»، وآخرها «مخالف ملتزم جدا». وفي هذه الأعمال كلها ظل الحمداني قريبًا من المجتمع العُماني، يلتقط حكاياته وشخصياته وتحولاته، ويكتب عن الناس وهمومهم وتفاصيل حياتهم اليومية.

ورغم أن أحمد درويش مشهور كمؤلف درامي، إلا أن له وجها آخر يعرفه مستمعو إذاعة سلطنة عمان جيدا. فقد كان أحد أهم معدي ومقدمي برامجها بدءًا من برنامج «صباح الخير يا بلادي» الذي كان أحد مؤسسيه عام 1987، ومرورًا بـ«البث المباشر»، و«هذا الصباح»، وليس انتهاء بـ«معكم دوم» في إذاعة الشباب الذي ظل يقدمه خلال شهر رمضان لسنوات طويلة. وأذكر أنه اختارني في بداياتي المهنية لخلافته خلال إجازته في إعداد وتقديم واحد من أجمل برامجه الإذاعية وأحبها إلى قلبي: «قبل أن ينام القمر» الذي كان أقرب إلى نصوص أدبية حالمة زادتها جمالا الأغاني الكلاسيكية الجميلة التي كان المخرج الراحل محمد بن ناصر المعولي يتفنن في اختيارها.

وظل أحمد درويش وفيًّا للميكروفون حتى أيامه الأخيرة؛ يعد البرامج ويقدمها، وينقل خبرته الطويلة إلى المذيعين الشباب في دورات الإعداد والتقديم الإذاعي. ومن سمع صوته في برنامج «صباح الياسمين» صباح يوم الجمعة لن يخطر بباله أن هذا الصوت الذي رافق الإذاعة العُمانية كل هذه السنين سيغيب بعد يوم واحد فقط. ولعل في هذا ما يلخص علاقته بالإذاعة أكثر من أي كلام آخر؛ إذ ظل يعمل حتى اللحظة الأخيرة تقريبًا، وظل الميكروفون رفيقه حتى آخر نَفَس إن جاز التعبير.

والآن، وأنا أعود إلى رسائله القصيرة في هاتفي، تبدو لي عبارته «الشي الجميل نقول عنه جميل دايمًا» كأنها تصلح له هو أيضًا. فقد كان أحمد درويش واحدًا من أولئك الذين صنعوا جزءًا جميلًا من ذاكرتنا الإذاعية والتلفزيونية. وها نحن، بعد رحيله، لا نفعل أكثر مما كان يفعله هو حين يعجبه شيء يسمعه: «نقول عن الشيء الجميل إنه جميل».

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني