No Image
رأي عُمان

الدقم وامتحان النصف الثاني من الإصلاح

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

حين صدر مرسوم إنشاء هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم عام 2011، كانت الدقم قرية صيد على ساحل محافظة الوسطى وتفصلها عن العاصمة مسقط أكثر من خمسمائة كيلومتر.

أُنشئت لها منطقة اقتصادية شاسعة، ورُسم على الورق ميناء وحوض جاف ومصفاة ومطار. واتسعت المنطقة لاحقا إلى ألفي كيلومتر مربع.

بعد خمسة عشر عاما من صدور ذلك المرسوم تغير مشهد الدقم تماما، وأصبحت علامة على خريطة المناطق الاقتصادية في المنطقة، وموقعا متقدما على خريطة مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

والمصفاة التي كانت يومها مشروعا على الخرائط أصبحت منشأة عاملة، ويستقبل الميناء كبريات السفن من مختلف خطوط التجارة العالمية. وخصصت أراض كبيرة ضمن المنطقة لمشاريع الهيدروجين الأخضر، أحد الرهانات الكبرى في التحول العالمي للطاقة.

وتأتي زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- للمنطقة أمس في لحظة ينتقل فيها المشروع من بناء الأصول والبنية الأساسية إلى اختبار قدرته على جذب الاستثمار وتوليد النشاط الاقتصادي. وتستحق هذه اللحظة أن تُقرأ في سياق أوسع من المنطقة ذاتها.

هذا السياق هو مشروع الإصلاح الاقتصادي الذي بدأه عاهل البلاد المفدى قبل ست سنوات. تسلّم جلالة السلطان عرش عُمان مطلع 2020 في واحدة من أصعب اللحظات الاقتصادية؛ انهارت أسعار النفط إلى مستويات شديدة الانخفاض، وأغلقت الجائحة الأسواق والمصانع، فيما كان الدين العام يقترب من ثلثي الناتج المحلي.

وكان أمام الحكومة خيار الاستمرار في تمويل العجز بالدين وانتظار دورة نفطية أفضل، لكنها اتجهت إلى برنامج لضبط المالية العامة، بالتزامن مع إعادة هيكلة الجهاز الحكومي وإعادة تنظيم الأصول والشركات الحكومية تحت جهاز الاستثمار العُماني، ووظفت ارتفاع أسعار النفط بدءا من 2022 لسداد الكثير من الديون قبل آجالها.

وبحلول 2025 تراجع الدين إلى نحو 34.4% من الناتج، ويتوقع البنك المركزي أن يبلغ 33.3% هذا العام. واستعادت البلاد التصنيف الاستثماري لدى الوكالات الكبرى كلها.

تصحيح المالية العامة للدولة هو النصف الأول من مشروع السلطان الاقتصادي وقد قطع شوطا بعيدا.. أما النصف الثاني، أي بناء اقتصاد يولد دخله خارج حقول النفط، فساحته الحقيقية أماكن مثل الدقم.

وتكتسب الزيارة دلالة إضافية في ظرف أظهرت فيه أحداث المنطقة خلال العام الجاري القيمة الاستراتيجية لموقع الدقم، وما يمكن أن يوفره من بدائل لوجستية لدول الخليج في أوقات اضطراب طرق التجارة والطاقة.

قبل سنوات رأى البعض في الدقم قرارا سياديا سبق حاجة السوق، لكن مشروعات البنية الأساسية الكبرى لا تنتظر السوق دائما؛ فقد تسبقها وتخلق الشروط التي تدفع الاستثمار والتجارة إلى التحرك نحوها.

موقع الدقم على بحر العرب يضعه على خطوط التجارة بين آسيا وأفريقيا والخليج خارج مضيق هرمز، والمياه العميقة قبالة سواحل الدقم تستوعب السفن الكبيرة.

وتزداد قيمة هذه المزايا في دولة عُرفت باستقرار سياساتها وهدوء علاقاتها الدولية، فيما يمنح الاضطراب المحيط بالإقليم موقع الدقم قيمة إضافية.

ويضع توجيه حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، أيده الله، بتعظيم الاستفادة من موقع الدقم، المرحلة المقبلة أمام اختبار جذب الاستثمار وتوسيع العائد الاقتصادي من الأصول التي أُنشئت خلال السنوات الماضية. فقد استثمرت عُمان كثيرا في تأسيس المنطقة، وأصبح معيار النجاح هو مقدار ما تستطيع هذه الأصول أن تضيفه إلى الاقتصاد الوطني.

بعد خمسة عشر عاما تجاوز امتحان الدقم بناء البنية الأساسية القادرة على جذب الاستثمارات؛ فقد بُني الميناء والمطار والحوض الجاف والمصفاة وشبكة واسعة من المرافق. السؤال الآن عما يستطيع هذا كله أن ينتجه: مقدار رأس المال الخاص الذي يجذبه، والصادرات التي تمر عبره، والصناعات التي تنشأ حوله، والوظائف والقيمة المضافة التي يبقيها داخل الاقتصاد العُماني.

هنا يبدأ امتحان الدقم الحقيقي، وهو في الوقت نفسه امتحان النصف الثاني من التحول الاقتصادي العُماني.