استقلال القرار يُبنى في الداخل
22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026
جاء اجتماع مجلس الوزراء اليوم برئاسة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في قصر الحصن بصلالة، والمنطقة ما تزال تحت وطأة حرب غيّرت الكثير من حساباتها السياسية والاقتصادية. وكان متوقعًا في ظرف كهذا أن تستحوذ تطورات الحرب على مساحة واسعة من الاجتماع، ومن البيان الصادر عنه، لكن الحرب حضرت في موضعها ضمن السياسة العُمانية المعروفة عبر التأكيد على الحياد البنّاء، واحتواء الصراعات والحوار فيما ذهبت المساحة الأوسع إلى سؤال مختلف: كيف تواصل عُمان بناء قدرتها على العمل والنمو وحماية مكتسباتها في منطقة يصعب التنبؤ بما سيحدث فيها غدا؟ وتظهر الدلالة الأهم للاجتماع في بقية جدول أعماله؛ فقد ناقش أداء الميزانية العامة خلال النصف الأول من العام وتعزيز الميزان التجاري غير النفطي، والصناعات الدوائية والقطاع الصحي وأداء المؤسسات الحكومية وبيئة الأعمال والمجالس البلدية وموسم خريف ظفار.
قد تبدو هذه الملفات متباعدة عند قراءتها منفردة، لكنها تلتقي عند فكرة توسيع قدرة الدولة على حماية خياراتها حين تضيق الخيارات من حولها.
فعندما يدعو المجلس إلى رفع قدرة السياسات المالية على التكيُّف مع التقلبات الخارجية فإنه يتعامل مع حقيقة أصبحت جزءا من الحياة الاقتصادية لدول المنطقة؛ فالحروب واضطراب حركة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد سرعان ما تنقل آثارها إلى الموازنات والأسواق، ومنها إلى حياة الناس، وكلما ازدادت قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه الصدمات ازدادت مساحة القرار الوطني.
ومن المعنى نفسه يأتي التوجيه بوضع خطة طويلة المدى لتعزيز الميزان التجاري غير النفطي تبدأ مطلع عام 2027؛ فحرية القرار في السياسة الخارجية تحتاج إلى اقتصاد يمنح الدولة مجالا أوسع للحركة، وإلى تجارة أكثر تنوعا وقطاعات إنتاج تستطيع توليد الدخل والوظائف خارج الدورة التقليدية للنفط. ومن هنا أيضا تكتسب الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية أهميتها باعتبارها جزءا من قدرة الدولة على تحصين احتياجاتها الأساسية من الاضطرابات الخارجية.
ويمتد هذا المنطق إلى الداخل المؤسسي؛ حيث حضرت مراجعة أداء الأجهزة الحكومية، وتقييم اختصاصات المجالس البلدية قبل الانتخابات المقبلة وتطوير بيئة الأعمال. وقد تبدو هذه الأعمال أقل إثارة من تطورات الحرب، لكنها في الحقيقة من صميم قدرة الدولة على الصمود أمام آثارها. وكذلك السياحة؛ فنجاح موسم خريف ظفار يعني توسيع مصدر آخر للدخل والنشاط الاقتصادي، وتثبيت قطاع يستطيع أن يحمل جزءا أكبر من عبء التنويع.
يحمل اجتماع صلالة دلالات تتجاوز جدول أعماله المباشر؛ ففي الوقت الذي تستهلك فيه الحرب قدرا هائلا من اهتمام المنطقة ومواردها تمضي عُمان في العمل على ما سيبقى بعدها. والحروب مهما امتدت تنتهي في لحظة ما، أما الدول فتُقاس بما استطاعت بناءه خلال السنوات التي كان العالم من حولها منشغلا بالهدم.
