No Image
رأي عُمان

الأمم المتحدة وفرصة الحوار الغائب

21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

تبدأ الثلاثاء في نيويورك المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تتجه الأنظار كالعادة إلى المنصة وإلى الكلمات التي يلقيها قادة العالم. غير أن أهم ما يمكن أن يحدث في نيويورك هذا الأسبوع قد يجري بعيدا عن المنصة، وبحسب الأمانة العامة، قدمت الدول نحو ألف طلب لعقد اجتماعات ثنائية خلال الأسبوع رفيع المستوى، في وقت يتوقع فيه حضور نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات.

تأتي هذه الكثافة الدبلوماسية في لحظة تتسع فيها الحروب وتضيق فيها مساحات الاتصال؛ فالصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والسودان والكونغو وميانمار تضع النظام الدولي أمام اختبار يتجاوز قدرة الخطب والقرارات على وصف المأساة. وقد اختارت الدورة لنفسها عنوان «استعادة الثقة، وإدارة التحول» وهو عنوان يكاد يصف المشكلة قبل أن يقترح لها جوابا. الثقة بين القوى الكبرى تراجعت، وقنوات الحوار نفسها أصبحت عرضة للانقطاع كلما ارتفعت وتيرة المواجهة. لا تملك الجمعية العامة السلطات التي يمنحها ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن في قضايا السلم والأمن الدوليين، لكنها تملك ميزة يصعب تعويضها في زمن الاستقطاب. هناك 193 دولة تجتمع في مكان واحد، ومعها إمكانية فتح أبواب لا تحتاج في بدايتها إلى اتفاق على الحل النهائي. وفي تاريخ النزاعات، نادرا ما يبدأ السلام من وثيقة مكتملة، يبدأ أحيانا من اتصالات تأتي بعيدا عن وسائل الإعلام حتى لو جاءت بعد سنوات طويلة من الانقطاع وربما من الصراع، كما أنها قد تأتي إثر تفاهمات محدودة حول الملفات الإنسانية.. ثم تتسع المساحة الممكنة للتفاوض.

وتتضح قيمة هذا الأسبوع لأن أطرافا منخرطة مباشرة في بعض أخطر الأزمات ستكون في المدينة نفسها. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيعقد لقاءات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومع قادة من دول الخليج، فيما يشارك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أعمال الجمعية. وحتى قبل بدء المناقشة العامة، انعكست الآمال في إمكان فتح مسار دبلوماسي أمريكي إيراني على أسواق النفط. مجرد وجود قناة يمكن اختبارها يغيّر بعض الحسابات في بيئة تتعامل يوميا مع احتمالات التصعيد.

من هنا تكتسب اللقاءات الثنائية الكثيفة أهميتها. سيبقى بعضها بروتوكوليا، وقد ينتهي بعضها إلى تأكيد الخلاف القائم، إلا أن اجتماع هذا العدد من القادة والدبلوماسيين يختصر المسافات ويمنح الوسطاء والدول التي تحتفظ بعلاقات مع أطراف متعارضة مجالا لنقل الرسائل واختبار إمكانات التسوية قبل الانتقال إلى مفاوضات أكثر رسمية.

واللافت أن جدول الأسبوع يضع الحروب إلى جوار قضايا لا تستطيع دولة التعامل معها منفردة. المناخ، وارتفاع مستوى البحار، والاستعداد للجوائح، والحق في التنمية، والذكاء الاصطناعي، ونزع السلاح النووي، كلها تكشف حجم الاعتماد المتبادل حتى بين الدول التي تفصل بينها خلافات عميقة.

المعيار الواقعي لنجاح هذه الدورة قد يكون أقل صخبا من بياناتها الختامية.

أن يغادر القادة نيويورك وقد بقيت بينهم قنوات مفتوحة، وأن تتحول بعض اللقاءات العابرة إلى مسارات تستمر بعد عودة الوفود إلى عواصمها، ويمكن لما ينتج عن تلك اللقاءات أن يكون أول ما يحول دون اتساع الحرب.