تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية أنجولا الصديقة، في مرحلة تتجه فيها عُمان إلى بناء حضور اقتصادي أوسع في أفريقيا.
وعلى الساحل الأطلسي للقارة، تبرز أهمية شراكة تجمع بين الثقة السياسية والاستثمار ومصالح التنمية، وتضيف إلى الصلات العُمانية التاريخية بأفريقيا مجالات جديدة للعمل.
وتنسجم هذه الخطوة مع حاجة الاقتصاد الوطني إلى تنويع شركائه وأسواقه ومصادر نموه وتعزيز قدرته على التعامل مع التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية، ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
وتستند الزيارة إلى خطوات محددة شهدتها العلاقات بين البلدين؛ فقد شهدت زيارة الرئيس الأنجولي إلى مسقط في ديسمبر 2024 توقيع اتفاقية للاستحواذ على حصة في منجمي «كاتوكا» و«لويلي» ومذكرتي تفاهم في الطاقة والمبادرات المالية والاستراتيجية، ثم جاء الإعلان عن تأسيس البنك الأفريقي العُماني في لواندا في أبريل الماضي، ليضيف أداة يمكن أن تساعد الشركات على تمويل أعمالها وتيسير تجارتها. واجتماع الاستثمار والتمويل يهيئ أساسا لتوسيع التعاون إلى أنشطة تتصل بهما وتستفيد منهما.
وتظهر الحاجة إلى هذا الأساس في حجم التبادل التجاري الذي ظل دون مليون ريال عُماني خلال النصف الأول من عام 2025، بحسب البيانات الرسمية. وهذه قاعدة متواضعة قياسا بما يملكه البلدان من إمكانات وتوضح حجم العمل المطلوب لبناء علاقات تجارية أوسع.
فالمستثمر يحتاج إلى معرفة السوق وشريك موثوق وتمويل مناسب وقدرة على نقل منتجاته بتكلفة تتيح له المنافسة. وكلما تحسنت هذه الشروط ازدادت فرص تحويل الاهتمام السياسي إلى نشاط اقتصادي مستمر.
وتفتح الموانئ والخدمات اللوجستية مجالا عمليا لتحقيق ذلك، فالخبرة العُمانية في إدارة الموانئ والمناطق الاقتصادية يمكن أن تلتقي مع موقع أنجولا الأطلسي وصلاتها بأسواق محيطها الأفريقي. ويتيح بحث التعاون في النقل والتخزين والتصنيع الغذائي للشركات أن تنظر إلى سلسلة العمل كاملة، من الإنتاج إلى المستهلك.
وعندئذ تصبح الاستثمارات في الموارد الطبيعية قادرة على توليد طلب على خدمات وصناعات أخرى، وتتسع دائرة المستفيدين من الشراكة في البلدين.
ويضع هذا الاحتمال مسؤولية واضحة أمام المؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص في البلدين، فالزخم الذي تمنحه الزيارة السامية يحتاج إلى متابعة تحدد المشروعات القابلة للتنفيذ، وتدرس جدواها ومخاطرها، وتوضح إجراءات الاستثمار ومتطلباته.
ويمكن لغرف التجارة والجهات المعنية أن تقرّب الشركات من شركائها المحتملين، وأن توفر معلومات دقيقة ومحدثة عن احتياجات السوق. بهذه المتابعة يصبح الانفتاح على أنجولا فرصة تستطيع المؤسسات العُمانية، على اختلاف أحجامها، دراستها والمشاركة فيها وفق قدراتها وخبراتها الفعلية.
وتكتسب هذه الشراكة فرصا أكبر للاستمرار حين ترتبط بأولويات التنمية لدى الطرفين، فأنجولا تتطلع إلى توسيع قاعدتها الإنتاجية وخلق فرص العمل، وسلطنة عُمان تسعى إلى تنمية استثماراتها وفتح أسواق لمنتجاتها وخبراتها.
ويمكن الجمع بين هذه المصالح في مشروعات تدعم التدريب والتصنيع المحلي وتبادل المعرفة. وكلما وجد المجتمعان أثرا ملموسا للتعاون في العمل والدخل والمهارات، أصبحت العلاقة أقدر على الاحتفاظ بزخمها وعلى اجتياز التقلبات التي تواجه التجارة والاستثمار.
وهذا الارتباط بين التنمية والمصلحة المشتركة يمنح التقارب السياسي مضمونه العملي، فحرص البلدين على الحوار والاستقرار يهيئ مناخا تحتاج إليه الاستثمارات طويلة الأجل، فيما تعزز المصالح الاقتصادية المتبادلة أسباب التواصل والتفاهم. وتأتي الزيارة السامية لتدعم هذا التفاعل وتمنح المؤسسات المعنية فرصة لتوسيع ما تحقق والبناء عليه بثقة ومسؤولية.
إن اتساع الشراكات العُمانية في أفريقيا يفتح أمام الاقتصاد الوطني خيارات جديدة، ويمنح علاقاته الخارجية قدرة أكبر على خدمة أهداف التنمية. وفي أنجولا تتوافر عناصر لشراكة يمكن أن تنمو بالإرادة السياسية والعمل المؤسسي والمبادرة الاقتصادية. وقيمة هذه الفرصة تتأكد بما تتيحه للشعبين من مصالح متوازنة ومشروعات منتجة وقدرة أوسع على بناء المستقبل.