قتلُ الفلامنجو غرقٌ في الرمادي!

20 سبتمبر 2026
20 سبتمبر 2026

زرنا صديقةً مشتركة في بيتها الجديد، تأملنا ذوقها بشيء من التحفّظ والريبة. صوفا ملوّنة تُفصحُ عن نفسها دون مواربة، سجاد إيرانيّ مشبعةٌ أشكاله الهندسية بفيض الطبيعة، بلاط بزخارفه البارزة، ستائر تباينت ألوانها من غرفة إلى أخرى.. بدونا جميعًا فاترين غير مفتونين بالبيت على نقيض ما أمِلت صديقتنا أن ترانا!

سألتُ نفسي آنذاك: ما الذي لم يُعجبنا على وجه الدقة؟ أهي الألوان حقًّا؟ أم أن شيئًا ما قد غُرس في لا وعينا الجمعي بشأن «الذوق» و«الموضة»؟ ثمّ من قال لنا بأنّ فيض الألوان دلالة على البدائية بينما انحسارها علامة التحضّر والمعاصرة!

وكما يبدو، وفي استجابة لا شعورية منّي، أقدمتُ أنا أيضًا على تنجيد أريكة بيتي الصفراء المُفضّلة لديّ بلونٍ ثلجيّ بارد.. أمّا الكرسيان المُخصّصان للقهوة والكتابة المُزدانان برسم طيور الفلامنجو بلونها الوردي المرجاني المشوب بالحليبي وأوراق الغابة الكثيفة، فقد كسوتُهما بلونٍ ترابيّ خامد! وكم حزنتُ على طيور الفلامنجو وهي تُوارى تحت طبقة القماش الجديد! بدا الأمر للحظة، وكأنني دفنتُها إلى أبد الآبدين!

تساءلتُ عن هذه الاستجابة الغريبة لشيءٍ غامض يقبعُ خارجنا.. فنزهة قصيرة اليوم في عالم الأثاث تكشفُ عن ذائقة محدودة تتناوب بين الرمادي و«البيج» والترابي، حتى ليبدو مجرّد التفكير في الألوان خروجًا عن السياق. ولا يقف الأمر عند الأثاث.. بتنا نراه يمتدُّ إلى ثيابنا ومقتنياتنا وسياراتنا وإلى تفاصيل حياتنا كلّها.. وكأنّ ما حولنا ينبغي أن يظلّ خافتًا مُطفأً. على الرغم من أنّ الطبيعة تجود علينا بمقترحاتها البديعة إلا أننا نميلُ إلى التقشف فلا نستعير منها شيئا!

ولا يخلو الأمر من تناقض، فما الذي يُفسر انجذابنا المحموم إلى تلك المقاطع التي نشاهدُ فيها بيوت الجدّات القديمات، بستائرها الملوّنة وبلاطها الموشّى بالزخارف، وجدرانها الصاخبة باللوحات والأرفف المحتفية بالمقتنيات، ثيابهن المطرّزة ومطابخهن التي تعجّ بتفاصيل غنية، الأواني ومفارش الدانتيل والشتلات التي تملأ الردهات، إنّها أكثر ما يلفتني حقا.. أكثر من أي ديكور ميت! فلماذا تحظى هذه المقاطع بحظّ وافر من المشاهدة.. أهي محاولة هشة منا لتغذية جوعنا العميق لحيوية اللون المفقود!

عندما جاء «ترند الثمانينيات»، اندفع الناس إلى تجربته، راغبين في أن يصيروا ملوّنين، من غير أن يكون اللون هذه المرة مرتبطًا بفئة عمرية محددة أو بنوستالجيا. بدا وكأنهم مغمورون بشوقٍ إلى أن يغرفوا من رفاهيته أو أن يستعيدوا ما جُرّد منهم. فلم يتم الاكتفاء بعزل الألوان عن حياتنا وحسب، لقد حُمّلت بدلالات اجتماعية وطبقية، ورُبطت بها أنماطٌ من الانتماء والميول. أُخرج اللون من براءته الأولى، ليغدو علامةً دالّة، تقول شيئًا ما عنّا!

شاهدتُ مقطعا لافتا لصانعة المحتوى أمنية شهاوي على الأنستجرام تتساءل فيه: من الذي أفقد العالم ألوانه؟ فهي تظن أن هذا التحول البصري لم يكن وليد الصدفة. لقد صُنع بنوايا جادة. فقد حُصرت الألوان في موضعين اثنين مرتبطين بالشهوة: الطعام والمثلية!

ففي الماضي لم تكن الألوان المحايدة القاتمة كالرمادي والأسود والبيج تمثل سوى 15% من المنتجات المحيطة بنا، بينما غلبت على الباقي الألوان الطبيعية البهية. لكن هذه النسبة أخذت تتصاعد تدريجيًا، حتى قفزت مع مطلع عام 2000 لتصل إلى 60%، مما يعني أن أكثر من نصف محيطنا البصري غرق في عتمة الرمادي!

تشير الشهاوي إلى محاضرة ألقيت في عام 1910، صاغ فيها المهندس النمساوي أدولف لوس بيانًا تاريخيًا سماه بـ«الزخرفة والجريمة»؛ إذ صرح نصًا بأن «الشعوب البدائية والقبائل وحدها هي التي تتشوق إلى الألوان والزخارف، أما الإنسان الحديث المتنور، فيحتم عليه وعيه أن يقطن في مساحات قوامها الأبيض أو الرمادي». ثمّ جاء فان دير روه صاحب المقولة التي اغتالت ألوان الحداثة برمتها: «الأقل هو الأكثر».

فكرتُ كثيرًا: هل يمكن فصل ذوقنا الشخصي عن الجوقة؟ ووجدتُ أنّنا قلّما ننجو. إنّهم يتركون ندوبهم علينا شئنا أم أبينا. نحن مُطاردون بلعنة العدوى، وفي حالة تعرّضٍ يومي لهذا الوحش الذي يأمل في جعلنا متماثلين على نحوٍ مُضجر وشاقّ وعقيم!

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»