المعجم
19 سبتمبر 2026
19 سبتمبر 2026
كان الخليل بن أحمد «يذوق الحروف» حرفا فحرفا ليكتشف السبيل إلى كتابة معجمه «كتاب العين» ولينتهي إلى وضع ترتيبه كما وضعه وفق مخارج الحروف. أسرني هذا التعبير الذي استخدمه ابن منظور حين عرّج على الفراهيدي في مقدمته للسان العرب التي أفرد فيها بابًا عنوانه «ألقاب الحروف وطبائعها وخواصها» كما لو كانت الحروف كائنات حية، لها سلوكها الخاص، وحين تختلط وتتلاقح تنتج عائلة متجانسة هي الكلمة.
وفي مقدمته تلك، يحدثنا ابن منظور عن الحروف حديثًا قد نلقاه غريبًا حين نتمعن فيه اليوم، في هذه الساعة المروعة المبهرة من شدة انكشاف الأشياء وانكماش الغيب وتلاشي الأسرار، فهو يرى في معاني الحروف وخواصها أسرارًا مقدسة من أسرار الخلق، مفاتيحها عند الله وحده، فلا يودعها إلا عند نادرٍ وغريب من الناس، ممن أخصَّهم الله بعلم أسرار الحروف وأباح لهم التصرَّف بها؛ فهل أولئك هم الشعراء الذين قال عنهم في كتابه: «وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون»؟
أما تذوق الفراهيدي للحروف فهو تعبير مجازي ظاهرًا، لكنه لا يجافي الحقيقة العلمية حينما نتحدَّث عن صاحب السبق الذي وضع أذنه على الأرض، وأصاخ للحجر، وأصغى للمد والجزر في تنفس البحر، وتأمل منطق الطير وغناء الجارية ووقع مطرقة الحداد على الحديد، كل ذلك من أجل أن يتتبع إيقاع الشعر العربي من إيقاع الحياة ودبيب الأشياء والكائنات من حوله، وليستفيد من عبقريته الرياضية والإحصائية في وضع قواعد علم العروض. ومن أفضال ذاك الأزدي الخالدة مدى الدهر أنْ كان أول من عمَّر للعرب مُتحفًا يضم شتات مفرداتهم ويصونها من الاندثار والانقراض، حتى وإن بدت زيارة المعجم اليوم، بين الحين والحين، أشبه بزيارة المقبرة.
ولكن للشعراء موهبة خاصة على بعث الكلمات من الأجداث ونفض التراب عنها وإعادتها إلى المعجم المتداول مطورةَ المعنى، دون أن يصبحوا فقهاء لغة؛ بل لربما لا ينبغي لهم الذهاب في علاقة تخصصية مع اللغة، لأن التعاطي مع اللغة كتقانة قد يفسد براءة اللغة الشعرية وبرِّيتها الفطرية النازعة نحو المغامرة والاقتحام والتمرد وتقويض الأعراف السائدة، بما فيها أعراف اللغة نفسها. التخصص في اللغة يُعقلن اللغة أكثر من اللازم ويبلِّد الحساسية تجاه المفردات ويحولها إلى مسألة حسابية، وهو ما يطرد جن الشعر الذين لا أؤمن بهم إلا مجازًا. ولن نجد أبلغ من اعتراف الخليل بن أحمد المنسوب إليه مثالًا: «الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجئني».
هل عرف الأدب العربي حالات نادرة جمع فيها امرؤ ما بين الشعرية العالية والتخصص العميق في علوم اللغة؟ الإجابة تتطلب تحرزًا وتَيقنًا قبل الجزم، وإن كان السؤال نفسه سؤالًا مفتوحًا للتفاوض ما دمنا قد تطرقنا لمعيار نسبي هو: الشعرية. مع ذلك؛ فإن اللغة، أيّ لغة، ستدين بالفضل لشعرائها، إذ تتطور بتطورهم وتنهزم بانهزامهم.
نكتب كلمات ونلفظها من غير أن ندرك أن شاعرًا ما، شاعرًا ميتًا في الغالب، كان قد بعثها من المعجم الغابر وبثَّ فيها الروح من روحه قبل أن ينصرف هو إلى الموت. يعجبني قول سارتر بأن الشاعر الحقيقي هو من يخدُم اللغة، لا من يستخدمها. وفي هذا السياق سأبوح برأي أو موقف يخصني: فمثلما أستهجنُ استعراض المعجم القديم في الشعر، في محاولة لاستعراض الذكورة أو «الفحولة اللغوية»، تغيضني كذلك الدعوات إلى حبس الشعر في المعجم المتداول وعدم تطلع كُتّاب «الشعر الجديد» إلى اللغة من خلال اللغة. وأجدني على موقف نقيض تمامًا من الرأي المرعب الذي عبر عنه راسل إدسن، وهو واحد من أهم شعراء قصيدة النثر في أمريكا، حين قال في حوار معه: «يوشك الشعر أن يكون فنًا لا لغويًا»!
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
