رواية عُمانية بالذكاء الاصطناعي!
تصلح رواية "عينان تحملان البحر" الموقعة باسم (عيسى بن حمد الخروصي)، لإثبات أن الذكاء الاصطناعي، ورغم كل ما يُدبَّج فيه من مديح، ليس مؤهلًا بعدُ لكتابة رواية مُحْكمة خالية من الهنات الفنية والعثرات الأسلوبية. ذلك أن هذه الرواية - التي هي على حد علمي أول رواية عُمانية مكتوبة بالذكاء الاصطناعي - وإن كشفت في بنائها السردي وشخصياتها عن قدرة لا بأس بها على توليد الحكاية، إلا أنها تكشف أيضا عجز هذا "الذكاء" عن منحها العمق الإنساني، والتماسك الفني، واللغة التي تحمل بصمة كاتب حقيقي.
تسرد الرواية حكاية عائلة عُمانية ذات أجيال متعاقبة ارتبط مصيرها بالوجود العُماني في شرق أفريقيا، حيث الشاب ناصر، الذي وُلد ونشأ في زنجبار، وعاش فيها مع والديه حتى نهاية الحكم العُماني هناك عام 1964، لتضطر الأسرة إلى الهرب بحرًا إلى عُمان؛ الوطن الذي عرفه ناصر فقط من حكايات أمه، لكنه يُصدَم بأنه مكان مختلف عما تخيله، ويظل موزعًا بين عُمان التي عاد إليها وزنجبار التي ترك فيها طفولته وذاكرته وصديقه جُماني. ومع مرور الوقت تصبح الكتابة وسيلة ناصر لحفظ ما تبقى من تلك الحياة واستعادة صورها، من خلال جمعه حكايات العُمانيين العائدين من زنجبار، وكتابة شهاداتهم وذكرياتهم، ثم تنتقل المهمة في الجيل التالي إلى ابنته مريم، التي تسافر إلى زنجبار بحثًا عن تاريخ الأسرة، وتعيد تتبع الصلات القديمة بين العُمانيين والسواحيليين.
لا توجد أي إشارة في نسخة الكتاب الصادر هذا العام عن دار مسندم التابعة للجمعية العُمانية للكتاب والأدباء إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية أو الاستعانة به، رغم أنه لا يكاد يخلو فصل من فصولها أو باب من أبوابها من الأنماط اللغوية لهذا "الذكاء"، وهي أنماط باتت الآن مألوفة و"مكشوفة" من فرط الاستعمال، وسأستعرض بعضها بعد قليل، ولكن ما يهمني بدءًا أن أشير إلى جملة من التناقضات في البنية الحكائية للرواية، التي أعزوها إلى أن برنامج الذكاء تلقى أوامر متباعدة زمنيا لم تمكنه من الانتباه للزمن الذي تجري فيه الأحداث.
أول تناقضات الرواية أنها تخبرنا في بدايتها عن: «ناصر بن راشد، الذي صار الآن شابًا في الثامنة عشرة من عمره»، وتحدد الزمن بأنه «في صيف عام 1963» (ص27). وهذا يعني - بحسبة بسيطة - أن ميلاده كان قرابة عام 1945. غير أنها حين تعود إلى سيرة أبيه راشد في باب «جذور الريح» تفتتحها بالقول: «في أواخر الخمسينيات... كان راشد بن حمود يقف على سطح سفينة» مغادرًا صور إلى زنجبار (ص62). وهناك يتعرف إلى خديجة، ثم تقول الرواية: «تزوجا بعد أشهر» (ص67)، وبعد «السنوات التالية» من عمل راشد في تجارة القرنفل نقرأ: «في تلك الفترة، ولد طفلهما الأول ناصر» (ص68). فإذا كان الأب قد وصل إلى زنجبار في أواخر الخمسينيات وتزوج بعدها، فلا سبيل إلى أن يكون ابنهما المولود بعد ذلك في الثامنة عشرة سنة 1963. نحن هنا أمام خطأ زمني واضح.
وإذا ما تجاوزنا هذا الخطأ وصدقنا أن ناصر وصل إلى مسقط شابًّا عقب أحداث يناير 1964، فإن الرواية تخبرنا أنه «التحق بمدرسة حكومية»، وفي المدرسة كان المعلمون «يشرحون التاريخ العُماني، يتحدثون عن الإمام، وعن الثورة، وعن الاستقلال» (ص42). إن وجود مدرسة حكومية في مسقط في ذلك التاريخ قابل للتصديق على اعتبار أنها يمكن أن تكون المدرسة السعيدية، لكن مفردة «الاستقلال» في سياق التاريخ العُماني تحتاج إلى تفسير، ما المقصود بـ«الاستقلال»؟ وأي «ثورة» تحديدًا؟ وهل تنسجم هذه المفردات مع خطاب مدرسة حكومية في عهد سعيد بن تيمور؟ وهل حديث الطلبة «عن المستقبل، عن الوظائف، عن السفر» (ص44) مقنع، إذا ما علمنا أن التعليم كان آنذاك بسيطًا، والخدمات محدودة، في حين يجعلنا الوصف نحسّ أن الرواية تتحدث عن زمن اليوم، لا منتصف الستينيات، خصوصًا حين يقرأ ناصر صحفًا عُمانية في ذلك الوقت: "يقرأ العناوين في الصحف، لكنه يشعر أن كل شيء يقال بلغة لا تخاطب قلبه" (ص44)، فكيف «يقرأ العناوين في الصحف» في مسقط في ذلك الوقت بينما لم تظهر أول صحيفة عُمانية منتظمة وهي صحيفة "الوطن" إلا عام 1971؟ ويصبح هذا الإحساس أوضح في صيف 1974. تقول الرواية: «كانت أضواء مسقط ترسم خطوطًا متلألئة على شوارعها المعبدة»، وناصر يقف في «شقته في مبنى مرتفع» يتأمل «زجاج السيارات المارة»، ثم تصف عُمان متغنيةً بـ«أضوائها الحديثة وأسواقها المكيفة»! (ص167). ومرة أخرى أعود للقول إن الرواية تبدو كأنها تصف عُمان اليوم لا سنة 1974!
ثمة تناقضات أخرى لا تكفي المساحة لسردها، إذ سأنتقل الآن إلى أنماط الذكاء الاصطناعي التي وصفتُها قبل قليل بالمكشوفة، أي تلك التي لا تحاول الرواية إخفاء حضورها. ومن أبرز هذه السمات استخدام صيغة النفي التي تأتي بعدها «بل» لنقل المعنى من الفكرة الأولى إلى معنى أكثر تجريدًا؛ وهي صيغة تتكرر في الرواية عشرات المرات حتى تكاد تصبح لازمة في كل فصل وكل باب. نقرأ مثلًا: «الوطن ليس جغرافيا، بل ذاكرة»، و«العودة ليست نهاية، بل بداية أخرى»، ثم «لم يكتب عن زنجبار، ولا عن عمان، بل عن المسافة بينهما»، و«أنا لا أبحث عن مكان، بل عن معنى» (ص61-62). ولا تقتصر هذه الكثافة على موضع واحد؛ ففي بدايات الرواية نجد أن المدينة «لا تشبه المدن، بل تشبه القصائد»، وأن المرآة «لا تعكس ملامحه، بل تعكس ماضيه»، وأن ناصر «لم يكن يراقب البحر فقط، بل كان يحاول أن يفهمه»، وهذه أمثلة قليلة من هذه الصيغة التي تتردد على امتداد الرواية.
والأكثر لفتًا للانتباه أن هذه الصيغة غالبًا ما تأتي مع سمة ثانية، هي الحكمة المصوغة في شكل قول مكتمل أقرب إلى حكمة أو خلاصة تجربة، وكأن الشخصيات لا بد أن تطلق عبارات جاهزة للاقتباس: تقول خديجة «الوطن ليس الأرض التي نقف عليها، بل هو ما نحمله في قلوبنا» (ص20)، ويقول الرجل المسن لليلى «البحر لا يعطي، لكنه يكشف»، ثم يضيف مروان «الرحلة لا تحتاج إلى وجهة، فقط إلى استعداد» (ص94)، وعشرات من الأمثلة سواها.
أما السمة الثالثة، فهي سيطرة المفاهيم المجردة وتكرار الحقول الدلالية نفسها؛ إذ تعود الرواية باستمرار إلى مفاهيم كبيرة كالهوية والذاكرة والصمت والاسم والبحر والمرآة والعودة، ثم تعيد تركيبها في صيغ واستعارات متشابهة. ففي الصفحة 155 تصبح «الهوية ليست خطًّا مستقيمًا، بل منحنى يرسمه الانكسار»، ثم تظهر في الأسطر نفسها تقريبًا مفردات المرآة والصمت والماء والاسم. ويصل هذا الميل إلى ذروته في العبارة: «أنا النجم والبحر معًا، أنا الحبر والماء، أنا الرحلة في صورتي الأبدية» (ص150).
وتتمثل السمة الرابعة، وهي في رأيي الأكثر دلالة، في شرح الرمز بعد بنائه سرديًا. على سبيل المثال، بعد أن يمنح النص القرنفل وظيفة رمزية على امتداد مقطع كامل، يعود ليقول بوضوح: «همسات القرنفل ليست عن زهرة. بل عن كل ما يقال دون صوت»، ثم «القرنفل، في هذه الرواية، ليس مجرد زهرة. بل شاهد ورسول» (ص72). وكأن النص لا يثق بأن الصورة وصلت وحدها، فيعطي القارئ مفتاح تفسيرها بشكل مباشر، تماما كما تفعل مقالات الذكاء الاصطناعي.
وإذن، فإنه حين تجتمع هذه السمات الأربع بهذا الانتظام — الإزاحة بالنفي والاستدراك، والحكمة المكتملة، وسيطرة المفاهيم، وشرح الرمز بعد استخدامه — فإنها تكشف بوضوح عن تدخل الذكاء الاصطناعي في كتابة أجزاء واسعة من الرواية، وربما لهذا لا يشعر المرء بأي تعاطف مع شخصياتها، التي تبدو مصطنعة، حاملة للأفكار والحِكَم المفتعلة أكثر من كونها شخصيات من لحم ودم لها أصوات وتجارب متمايزة.
يبقى بعد ذلك سؤال يتجاوز صاحب الاسم على الغلاف (ولا أقول "المؤلف") إلى المؤسسة التي أجازت نشر الكتاب: كيف تتعامل دور النشر والجوائز والمؤسسات الثقافية مع نصوص أصبح من الممكن أن تمر أمام المحرر والمقيّم والقارئ وهي تحمل قدرًا كبيرًا من الكتابة المولدة آليًّا من غير أن يكون ذلك ظاهرًا منذ البداية؟ ولا يبدو أن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء وحدها التي وقعت في هذا الفخ؛ ففي مارس 2026 اضطرت مجموعة «هاشيت»، وهي واحدة من أكبر دور النشر في العالم، إلى سحب رواية الرعب «Shy Girl» للكاتبة ميا بالارد من السوق البريطانية وإلغاء إصدارها الأمريكي بعد إثارة شبهات قوية حول اعتمادها الواسع على الذكاء الاصطناعي، مع أن الرواية كانت قد تجاوزت مراحل التعاقد والتحرير والنشر وبيعت منها بالفعل نسخ في بريطانيا.
ولا تعفي هذه السابقة، وسوابق أخرى لا يتسع المجال لذكرها، الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء من المسؤولية طبعا، لكنها تضع المسألة في حجمها الحقيقي: نحن أمام تحدٍّ عالمي لم تعد معه القراءة التقليدية للمخطوط كافية دائمًا. والسؤال الأجدى، بدلا من لوم المخطئ، هو: هل آن للمؤسسات الثقافية ودور النشر أن تضيف إلى معاييرها التحريرية أسئلة واضحة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن تطلب الإفصاح عن حجمه، وأن تدرب المقيمين والمحررين على ملاحظة علاماته ودلائله، قبل أن تمنح المؤسسة اسمها وشرعيتها لنص قد تكون الآلة هي التي كتبتْه؟ أظن أن الإجابة هي "نعم"، لأن النص المولد بالذكاء الاصطناعي أثبت اليوم أنه قادر بسهولة على خداع عدد غير قليل من الجرائد ودور النشر، من دون أن يُنتَبَه إليه، وأن المشكلة التي سيواجهها الجميع مستقبلا ستكون التمييز الحقيقي بين ما كتبه الإنسان فعلًا وما ولّده الذكاء الاصطناعي.
