هل تعرف ابنك؟
16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026
سؤال قد يبدو ذا إجابة بديهية، كلنا يعرف أبناءه، بأسمائهم، ووجوههم، ومتطلباتهم، نعرفهم لأنهم يعيشون معنا، ونشاهدهم، ونغدق عليهم المال، ولكن..هل نعرف ماذا يصنعون؟..ما هي مشروعاتهم في الحياة؟..كيف يفكرون؟..من يصاحبون؟..ماذا يشاهدون داخل غرفهم المغلقة؟..لا أعتقد أن الكثيرين يعلمون الكثير عن أبنائهم، هم يعرفون فقط القشرة الخارجية من حياتهم، السلوكيات الظاهرة أمامهم، ولكنهم لا يعرفون العمق النفسي، والمحيط العاطفي والسلوكي الذي يعيشونه في الواقع الحقيقي، أو العالم الافتراضي.
يقول أحدهم: (عملتُ لأكثر من ثلاثين عاما في الوزارة، ترقيتُ من منصب إلى منصب، إلى أن صرت مسؤولا كبيرا، وفي كل مرحلة كنتُ أبذل جهدا مضاعفا، لأن حجم المسؤولية يزيد، كنتُ أعود إلى المنزل متأخرا، أتناول وجبة الغداء في المساء، وأذهب لأنام، ألتقي مع الأبناء بضع دقائق، ثم أذهب لفراش النوم، كي أصحو باكرا، وأعيد الكرة كل يوم على نفس الوتيرة، لم أكن مقصرا في الصرف على أسرتي، كانت كل احتياجاتهم المادية موفرة في كل وقت، وذهب معظم العمر، وحانت لحظة التقاعد..).
يواصل:(وصلتُ المنزل منهكا ذلك اليوم، ودّعتُ زملاء العمل، وغادرت الوزارة، جلستُ مع أبنائي على مائدة الغداء، ـ وهي من المرات القليلة التي فعلتها خلال سنوات العمل ـ، نظرتُ إلى وجوه أولادي وكأنني أنظر إليهم للمرة الأولى، كبروا، تغيّرت ملامحهم، بعضهم على وشك التخرج من الجامعة، بعضهم على مقاعد الدراسة الثانوية، تبادلنا الحديث، والسؤال، وكأننا نلتقي لأول مرة، لقد كبروا أمامي، ولكنني لم أرهم..).
مثل هذه الحكاية، أصبحت شائعة، آباء وأبناء في منزل واحد، ولكن مشاغل الحياة، ومشاكلها، وتداخلاتها تجعلهم يعيشون في جزر منفصلة، لا يعرف بعضهم بعضا معرفة عميقة، شغلت الكثيرين وسائل (التباعد) الاجتماعي، وألعاب الفيديو، وملهيات العصر، وأصبح الأبناء عرضة للانفصال العاطفي عن آبائهم، وحتى حين يجلسون مع بعضهم ينشغل كل واحد منهم بهاتفه، وتراهم يتحدثون دون (وعي) بما يدور من حوار، ويعتقد الأب أن شراء جهاز هاتف لطفله يعزز من ثقته بنفسه، وهو لا يعلم أنه وجّه الرصاصة الأولى في وجه براءة ذلك الطفل، الذي يستخدم الهاتف دون رقابة أو متابعة، لذلك كثرت ظاهرة التحرش بالأطفال، والانتحار لدى المراهقين، والابتزاز، والتحايل الإلكتروني، والترويج للمخدرات، والمؤثرات العقلية، وباتت أروقة المحاكم والنيابات العامة ساحة لقضايا جديدة على المجتمع، أدخلتها وسائل التواصل الاجتماعي، و(الانفتاح غير المقنن) على العالم، وباتت تلك القضايا ناقوس خطر يدق على أبواب الأسر، والمجتمع.
إن اقتراب الآباء من أبنائهم، وفتح حوار معهم، وفهمهم، ومعرفة محيطهم الاجتماعي، ومراقبة سلوكياتهم بشكل واعٍ، هي الجدار العازل الذي يقرّب المسافات بين أفراد الأسرة، ويحد من المشاكل التي يتعرض لها الأبناء، حتى لا يقع الفأس والرأس، ويتحول الآباء، والأبناء معا إلى ضحية بسبب عدم معرفتهم ببعضهم البعض.
