الإحصاءات وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026

يبدو أننا في حاجة إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على أهمية الإحصاءات ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز رفاهية المجتمع وتخفيف الأعباء التي تواجه الأفراد والأسر العُمانية، فقد أثار مشروعُ «مسح دخل وإنفاق الأسرة بالذكاء الاصطناعي» الذي أعلن عنه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الأسبوع الماضي العديدَ من الآراء المتباينة خاصة أن نتائج المسح أشارت إلى أن متوسط الدخل الشهري للأسرة العمانية خلال عام 2025 بلغ 1839 ريالا عمانيا، وأن معدل الإنفاق عند 1058 ريالا عمانيا، والمبلغ القابل للادخار عند 781 ريالا عمانيا وهي نتائج لا تعكس في نظر الكثير من أفراد المجتمع الواقع الحقيقي للعديد من الأسر العمانية.

عندما ننظر إلى الإحصاء باعتباره علمًا، فإن أهميته لا تقتصر فقط على جمع البيانات وتبويبها وتحليلها، وإنما تمتد لتشمل توفير قاعدة إحصائية تساعد على فهم الواقع الاقتصادي والاجتماعي وقياس التحولات التي يشهدها المجتمع والتعرف على احتياجات السكان واتجاهات سوق العمل ومستويات المعيشة وبما يُسهم في تنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية والتنموية التي تلامس الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

أي إن الإحصاءات تمثل أداة أساسية لصياغة السياسات العامة وتحديد الأولويات التنموية، وتوجيه الاستثمارات والموارد نحو القطاعات الأكثر احتياجاً، فإذا علمنا أن عدد السكان في هذه الولاية أو المحافظة شكل ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الخمس الماضية فإن هذا يعني أننا في حاجة إلى تنفيذ العديد من مشروعات البنية الأساسية والمشروعات الصحية والتعليمية التي تواكب تطلعات المجتمع واحتياجاته، وإذا علمنا أن مخرجات التعليم العالي تتجاوز عدة آلاف سنويا فإن هذا يعني أن علينا تهيئة السبل أمامهم لدخول سوق العمل عبر توفير فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص وتوجيه مخرجات التعليم نحو التخصصات التي يحتاج إليها الاقتصاد وتشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية على إيجاد فرص عمل جديدة وبما يؤدي إلى الاستفادة من هذه الطاقات البشرية وإمكانياتها وقدراتها على الإنتاج والمساهمة الإيجابية في الاقتصاد، وهذا يعني أن علينا الاستفادة من علم الإحصاء في بناء قدراتنا الاقتصادية وتمكين صنّاع القرار من تحديد الأولويات بصورة أكثر دقة وبما يُسهم في تلبية احتياجات المجتمع وتطلعاته.

ومن هنا فإن نتائج المسح المشار إليه قد تحمل رسالة بأن دخل الأسر العمانية مرتفع خاصة أن النتائج ذاتها أشارت إلى أن الأسر العمانية تستطيع ادخار 781 ريالا عمانيا شهريا بما يعادل 42% من إجمالي دخلها وهو رقم يتجاوز أعلى المستويات العالمية، وبالتالي فإن هذه الإحصائيات قد تؤثر على أي خطط حكومية مستقبلية لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز دخل العاملين في القطاعين العام والخاص والقطاعات الأخرى.

قد تكون المشكلة التي تواجه العاملين في حقل الإحصاءات هي أنهم يتعاملون مع الإحصاء على أنه علم يقوم على النظريات والمناهج الإحصائية، ولهذا فإنهم يغفلون - دون قصد - القيمةَ الحقيقية للإحصائيات ومخرجاتها وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية، فمن غير المعقول أن نقول إن دخل الأسرة العمانية عند نحو 1840 ريالا عمانيا مع أننا نعلم أن هناك شركات عديدة قامت بتسريح العديد من الشباب العماني وشركات أخرى توظفهم بالحد الأدنى للراتب عند 325 ريالا عمانيا بغض النظر على شهاداتهم وخبراتهم، وهذا الشباب الذي يبدأ عمله بهذا الراتب يرغب في الزواج وتأسيس أسرة والإنفاق على والدَيه وزوجته وأطفاله مستقبلا فهل هذه الأسرة التي تتألف من 4 أفراد ثم تكبر إلى 5 أو 6 أفراد يكفيها مثل هذا الراتب فضلا عن أن تدخر منه؟.

إن الابتكار في الإحصاءات واستخدام خصائص وأدوات الذكاء الاصطناعي أمرٌ جيد، غير أن علينا تمحيص النتائج وإخضاعها للمنطق، فإذا كانت بيانات البنك المركزي العماني تشير إلى أن القروض المقدمة للأفراد بلغت حتى يونيو الماضي حوالي 13.1 مليار ريال عماني بزيادة 841 مليون ريال عماني عن مستواها في يونيو من العام الماضي؛ فهل يعقل أن تلجأ الأسر العمانية إلى الاقتراض في الوقت الذي تستطيع فيه ادخار 781 ريالا عمانيا شهريا؟، ثم إذا نظرنا إلى الأرقام التي أوردها المسح فسنجد أن بعضها مجرد افتراضات، فعلى سبيل المثال أشارت الإحصائيات إلى أن متوسط دخل الأسر العمانية يبلغ 66 ريالا عمانيا للممتلكات و103 ريالات عمانية للإيجار المقدر للمسكن المُلك و299 ريالا عمانيا للتحويلات الجارية، وفي نظرنا أن هذه الأرقام مجرد افتراضات لا ينبغي أن تدخل ضمن احتساب الإيرادات، وفي المقابل فإن إحصاءات الإنفاق أشارت إلى أن الإنفاق على المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود يبلغ شهريا 179 ريالا عمانيا وهو رقم أيضا غير معقول خاصة أننا نتحدث عن عائلة يبلغ متوسط عدد أفرادها 5 أفراد أو أكثر، وهناك العديد من الأرقام الأخرى التي نجد أنها لا تعكس الواقع الحقيقي سواء فيما يتعلق بالدخل أو الإنفاق.

كل هذا يجعلنا نؤكد أن علينا التركيز في الإحصاءات والمسوحات التي نجريها على استهداف الجوانب التي من شأنها تخفيف الأعباء التي تواجهها الأسر خاصة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت على أنماط الحياة وأسهمت في ارتفاع تكاليفها.