ظفار لم تعد هادئة كعادتها

15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026

قبل أيام خلت أُسدل فيها الستار عن مهرجان ظفار السينمائي الأول، واليوم تحتضن مدينة صلالة الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح حتى 22 سبتمبر الجاري.

فقبل عشرين سنة مضت لم يكن الحلم بوجود مهرجان للمسرح في ظفار منفصلًا عن فنون الحياة التقليدية التي تزخر بها المحافظة، وما تمثله من أصالة في الوجدان وفي التعبير الثقافي والاجتماعي للمجتمع.

والناظر إلى سعي الأدباء والكتّاب المحليين في المحافظة يجد أنهم وظفوا جُلَّ التراث المحلي المتنوع، سواء ما يُؤدّى بالعربية المضرية في طاقة وصلالة ومرباط، أو ما يُؤدّى باللسان العربي الجنوبي الحميري في جبال ظفار وبواديها وريفها.

وإلى جانب ما تزخر به المحافظة من تنوع في الأساطير والثياب واللهجات والموسيقى وظّف الكتّاب هذا الثراء في كتاباتهم الشعرية والسردية، كما حضر في الفنون التشكيلية والمصنوعات المحلية وغيرها من أشكال التعبير.

وكان للمسرح حظه من توظيف الميراث المحلي؛ فظهرت المسرحيات التي تتناول العادات والتقاليد والأعراف، وتفنن الفنانون في تقديم شخصيات تارة بأبعاد نمطية، وتارة أخرى بمحاولات تتجاوز التنميط.

وظل وجود خشبة متكاملة للمسرح حلمًا لكل فنان مسرحي؛ يقدم عليها العروض، وتقام فيها التدريبات، ويتعرّف فيها الفنيون على ألوان متباينة من فنون الإضاءة وتهيئة الخشبة وإدارتها.

وعندما أُعلن عن الدورة الأولى لمهرجان ظفار الدولي للمسرح التي أقيمت عام 2025م بدأ المسرحيون يتطلعون إلى الدورة الثانية. وهي دورة تبدو متقدمة على سابقتها من حيث التركيز هذه المرة على السياحة الثقافية، وجعل المسرح إحدى بوابات تنشيط السياحة في ظفار إلى جانب ما تزخر به المحافظة من عناصر جذب، أهمها البيئة المحلية، والجغرافيا، والأمن، والطقس.

تتميز الدورة الثانية للمهرجان بثلاثة مسارات مهمة: المسار الأول «النخبة» -مع تحفّظي على هذا التعبير-، ويتضمن عروضًا مسرحية دولية وعربية حققت جوائز في مهرجانات عديدة، وجاءت الفرصة لتحضر هذه العروض إلى ظفار ليشاهدها المسرحيون والمهتمون من الجمهور.

ويرأس لجنة تحكيم هذا المسار المخرج والمؤلف العُماني المكرّم عضو مجلس الدولة الدكتور عبدالكريم بن علي جواد.

أما المسار الثاني «العروض الكبرى» فيرأس لجنة تحكيمه الفنان السوري أيمن زيدان فيما جاء المسار الثالث بعنوان «مسرح ظفار»، وهو مساحة تنافسية للعروض المحلية الشبابية التي يقدمها فنانون محليون، وتتضمن مسابقة ظفار العروض المسرحية: «مسامير الخلود»، و«عناية خاصة جدًا»، و«الرماد»، و«السادن».

لا أستطيع إخفاء سعادتي بهذه الدورة المتميزة في مساراتها الثلاثة، كما أن اجتماع هؤلاء الفنانين المسرحيين الدوليين القادمين بعروضهم من إسبانيا وجورجيا والهند وتركيا وجمهورية مصر العربية والجمهورية التونسية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية العراق إلى جانب أعضاء لجان تحكيم المسارات الثلاثة من شأنه أن يُشعر المرء بالفخر والاعتزاز.

فتحقيق هذا العمل الطموح بما يفسحه من مجالات للقاء الفنانين العُمانيين بغيرهم وتبادل الحوار وبناء العلاقات المنتجة في المستقبل، ما كان ليتحقق لولا وجود إدارة قوية وفاعلة تمتلك رؤية بعيدة المدى، واستراتيجية للنهوض بالثقافة المسرحية من خلال بوابة السياحة.

وهو مشروع طموح يستحق الدعم والدفع به إلى جوار مشاريع ثقافية متكاملة يكون فيها التراث والمخطوطات والموسيقى والسرد والسينما والشعر وجهة ثقافية تزدان بها محافظة ظفار بداية من مطارها الدولي وحواضرها ومينائها التاريخي «سمهرم» وصولًا إلى كلياتها وجامعتها دون إغفال أهمية المقاهي التي أخذت تنتشر في ظفار، ويرتادها المبدعون والكتّاب إلى جوار طلبة الكليات من الجنسين.

فالمهرجان مهما بلغت أهميته يظل جزءًا من مشهد ثقافي أوسع نأمل أن تتكامل عناصره، وتتصل بالمكان وحياته اليومية.

غير أن ما استدعى انتباهي في هذه الدورة هو مصطلح «النخبة». وإن كنتُ لم أطلع على المعايير التي جرى على أساسها التصنيف فإن التسمية تستدعي شيئًا من التوقف والتوضيح. فهذا المسار يشتمل على عروض «روميو وجوليت» من إسبانيا، و«الهاربات» من تونس، و«رقصة النسيج» من الهند، و«شجرة اللبان» من سلطنة عُمان.

والناظر إلى هذه العروض يجد أنها حصدت جوائز ومراكز متقدمة، وأخص بالذكر العرض الهندي الذي تسنى لي مشاهدته في مهرجان بغداد الدولي للمسرح، ومهرجان الأردن المسرحي، ومهرجان الدن الدولي بسلطنة عمان. فالجوائز التي حصدتها هذه العروض يمكن أن تكون مؤشرًا على تصنيفها ضمن عروض «النخبة»، لكن المصطلح نفسه يظل بحاجة إلى السؤال.

فمن النخبة؟ وهل هناك نخب ثقافية وأخرى غير ثقافية؟ وهل النخبة يقابلها العادي؟ وهل التجاء العرض المسرحي إلى التجريد يمنحه صفة النخبة؟ وهل هناك متفرج نخبوي وآخر غير نخبوي؟ ألا يمكن أن يشير التصنيف إلى شيء من التعالي الثقافي، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا؟

ثم ألا يجب أن يشير هذا المسار إلى وجود مشاريع مسرحية ذات حمولة ثقافية؛ مشروع يتمركز في إثراء ثقافة محلية كالعرض العُماني مثلًا، أو مشروع بيئي ثقافي كالعرض الهندي، أو تثوير ثقافة إنسانية تحتفي بالجسد كالعرض التونسي؟ فإذا كانت هذه الخصائص هي ما يجمع العروض فهل «النخبة» هي المصطلح الأدق للدلالة عليها؟ أم أن المسألة تتعلق بعروض متميزة فنيًا، أو تجارب مسرحية لها خصوصيتها وحضورها في المهرجانات؟

ولا يقف الأمر عند هذه الأسئلة، بل يتعداها إلى النظر في أثر هذا الحراك على الحياة الثقافية في ظفار. فأين أدوار المؤسسات الثقافية الفاعلة؟ وأين مؤسسات المجتمع المدني من التكوينات الاجتماعية؟ وكيف يمكن أن نرصد وجود تطور أو تغير في صناعة الفكر والوعي الناقد؟ إن إقامة المهرجانات وتعدد الفعاليات أمر مهم، لكن الأهم أيضًا معرفة ما تتركه هذه الحركة في الوسط الثقافي المحلي، وفي الفنانين والكتّاب والمتفرجين.

إن ما يمكن أن يشير إليه مصطلح «النخبة» أو يدل عليه يعني، بقدر ما، الطليعية أو التميز، لكنه يحتاج إلى عناصر تمنحه قوته ودلالته. فالنخبة تعني وجود فئة «تظل الحافظة الأمينة للقيم الفكرية والخلقية العالية»، وهي في حالتنا هنا عروض مسرحية يُفترض أن تقدم نماذج متقدمة فنيًا وفكريًا.

وبما أننا في العصر الحديث؛ يسعى المسرحيون إلى الانفتاح على التجارب المسرحية البصرية، وتقليل الاتكاء على اللغة، وتقصير زمن العرض، وحصر العرض أحيانًا في عدد قليل من الممثلين دون إغفال أهمية وجود دراسات لمعرفة البنى الفكرية والجمالية التي يفرزها المخرجون المحليون وعلاقتها بالوسط الثقافي والاجتماعي الذي ينتمون إليه.

نعم، لم تعد ظفار هادئة كعادتها.

إن المجتمع العُماني بمكوناته البيئية والثقافية في محافظة ظفار يتطور تطورًا ملحوظًا. تظهر مجموعة من الكاتبات المحليات، ويسعى عدد من الممثلين والفنانين الشباب إلى تقديم نصوصهم ونشرها في كتب، لكن هذا الحراك يحتاج أيضًا إلى تقبّل التوجيه والنقد؛ فالكتابة لا تتطور بمجرد النشر، والتجربة المسرحية لا تنمو دون مراجعة وتكوين. وهذا في ظني جزء من التحول الذي ينبغي الالتفات إليه ونحن نتحدث عن تطور الحياة الثقافية في المحافظة.

إن ظفار في صخبها العام تمتلك صخبًا داخليًا آخر، يوازيه هدوء الممثل وهو يقف خلف الستارة استعدادًا للمشهد الأول. عرف هؤلاء الشباب تحولات كبيرة، وانعقاد مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية سيشكّل في ذاكرة المتفرجين حدثًا مهمًا. وعلينا الانتباه إلى أن شعار «السياحة تثري» يمكن أن يرادفه شعار آخر هو «المسرح يثري».

لكن الثراء الثقافي لا يصنعه المصطلح وحده، ولا تمنحه تسمية «النخبة» بالضرورة قيمة إضافية؛ فالمسرح الذي يثري هو المسرح القادر على أن يفتح أمام الفنان والمتفرج مجالًا أوسع للرؤية والسؤال والحوار. وإذا كانت ظفار لم تعد هادئة كعادتها فلعل ما نريده لهذا الصخب الثقافي ألا يكون صخب مهرجانات عابرًا، بل أثرا يبقى ويتطور.