عيـن عـلى ظـفار

15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026

ظفار حكاية جميلة، امتزج فيها سحر الطبيعة بأصالة المكان وعبق التاريخ، وإنسان استطاع تشكيل فصول هذه الحكاية وفق احتياجاته وظروف معيشته، حتى غدت الأرض تنطق بلسان الإنسان الذي استوطن المكان، وتماهى معه ومع طبيعته وبيئته الساحرة.

ورغم المرات الكثيرة التي زرت فيها ظفار في مواسمها المختلفة، وما قرأته عن تاريخها، وما عرفته عن إنسانها، فإنني أعترف بأنني لم أرها من قبل بتلك العين الشاملة التي رأيتها بها هذه المرة.

ولعل ما أعاد إليَّ اكتشافها أنني زرت كثيرًا من بلدان العالم، غير أن ظفار بدت لي حكاية نادرة تجتمع فيها الطبيعة والتاريخ والحضارة والثقافة والمغامرة ونكهة الأكلات الشعبية. ويتوج هذه الفسيفساء الإنسان الظفاري بعاداته وتقاليده وأصالته وفنونه وكرمه؛ ذلك الإنسان الذي أودع في المكان شيئًا من روحه، واستمد منه ملامح هويته.

بصحبة ثلة من الأصدقاء، وعلى مدى ثلاثة أيام، كما يصفها الشعراء والكتاب بأنها «أيام في الجنة»، لم تتوقف الدهشة عن الحضور كلما تجلى أمامنا إبداع الخالق في الطبيعة. وحتى من عاد إلى ظفار للمرة الثانية هذا الموسم، ظل سحر المكان يفرض حضوره على كل نفس ذواقة للجمال، مأخوذة بالطبيعة الخلابة والأرض البكر.

البداية كانت من «مسار مزرعة رزات السلطانية»، تلك الرقعة الجميلة التي فتحت أبوابها للناس بأوامر سامية، ليعيش الزائر تجربة سياحية بين الحقول والأشجار الاستوائية والمعمرة والمحاصيل المتنوعة.

وخلال الجولة شاهدنا عن قرب ثراء المزرعة وتنوع أشجارها؛ يتصدرها الموز، ثم النارجيل والفافاي، وتتوزع بينها أشجار التين والعنب والمستعفل وغيرها من الفواكه. وكانت الجولة، بما صاحبها من عرض وإرشاد سياحي، أشبه برحلة هادئة في ذاكرة الأرض وخيراتها، تتجاور فيها عناية الإنسان وسخاء الطبيعة.

لكن الرحلة لم تبدأ بعد، كما قال العارف بأحوال ظفار؛ فالجمال الحقيقي كامن خلف الجبال، والجنة الخضراء تسكن بين السفوح، حيث النسيم العليل والضباب الكثيف والبساط الأخضر الذي لا تحده حدود.

فأينما يممت بصرك، عاد إليك مشبعًا بالماء والخضرة والرذاذ المنعش. وهذا ما عشناه ونحن نرتقي سهل أتين؛ حيث يتوارى الطريق بين الضباب، وتنساب الخضرة على امتداد السفوح في مشهد يفتح للروح نوافذها. كانت السحب تلامس رؤوس الجبال، والرذاذ يكسو الوجوه ببرودته اللطيفة، فيما بدت ظفار كلوحة لا تستقر على صورة واحدة؛ كلما تقدمنا فيها خطوة، كشفت لنا عن لون جديد وسر آخر من أسرارها.

التجارب في ظفار تتعدد بين المزارات والعيون والأودية والشواطئ، غير أن أثرها في النفس يكاد يكون واحدًا؛ سواء أكان الزائر قادمًا إليها للمرة الأولى أم عائدًا للمرة المائة، وسواء أكان سائحًا قطع المسافات الطويلة أم مواطنًا فر من قيظ الصيف بحثًا عن نسمة باردة، فالجميع يجد نصيبه من الراحة والطمأنينة بين أحضان وادي دربات وشاطئ المغسيل، وفي عيون رزات وأثوم وجرزيز، وأمام شلالات عين كور وجوجب وغيرها من الشلالات التي تهبها أمطار الخريف حياة موسمية آسرة.

ويتشارك زائر ظفار اليوم اكتشاف معالم جديدة انضمت إلى قائمة الأماكن التي لا تكتمل الرحلة من دونها، وفي مقدمتها إطلالة شعت؛ حيث تطوق الغيوم المكان من الأعلى، ويمتد البحر في الأسفل، فترتسم بينهما لوحة ربانية يتعانق فيها بياض السحاب بزرقة الماء.

ومن يقف على تلك الحافة مأخوذًا باتساع المشهد وهيبته، لا يجد عبارة تفيه حقه سوى أن يقول: لله در هذا الجمال. وكما أن هناك إطلالة فوق السحاب، فإن على مقربة منها شاطئًا خفيًا تلتقي فيه زرقة المياه بجمال الطبيعة الخضراء الآسرة.

أما الحضارة والتاريخ فلهما في ظفار حضور لا يقل فتنة عن الطبيعة؛ فتاريخها ضارب في القدم، وشواهده ماثلة في سمهرم والبليد ومتحف أرض اللبان، وكلها تنطق بأصالة المكان ودوره في طرق التجارة وتواصل الحضارات.

وإلى جانب الأثر الموثق، تحتفظ ظفار بمواقع ارتبطت بالذاكرة الدينية والموروث الشعبي، كالمقام المنسوب إلى النبي أيوب، والأثر المعروف بناقة النبي صالح، فضلًا عن موقع شصر «وبار» الذي ربطته بعض الاجتهادات بمدينة إرم. وهكذا لا تمنح ظفار زائرها جمالًا يراه فحسب، بل تفتح أمامه كتابًا تتجاور في صفحاته الطبيعة والتاريخ والأسطورة والإنسان.

ويبقى الحديث عن إنسان ظفار درة الحكاية وتاجها؛ فالأرض بلا إنسان لا تساوي شيئًا، ولو كانت الجنة نفسها. وإنسان ظفار هو جوهرها الذي قامت عليه حكاية الماضي، وتشكل به حاضرها، ويمتد عبره مستقبلها.

في نهاية جولتنا، توقفنا لتوثيق مشهد لم نألفه نحن أبناء الشمال: قطيع من الإبل يرعى بمحاذاة البحر. فالجمل الذي عرفناه سفينة للصحراء، بدا هنا وكأنه ألقى مراسيه على الشاطئ، يرعى من عشب الأرض الخضراء على مرمى البصر من زرقة الماء.

وكان يحرس القطيع شاب من قبيلة الحكلي بثيابه النيلية؛ عينه على إبله السارحة، وأخرى على إبريق الشاي الأسود.

استقبلنا بوجه بشوش وسألنا بلغته الجبالية: «خبور؟»، فأجبناه بالكلمة الوحيدة التي نعرفها: «خبور خير». ع

رفنا لاحقًا أن ذلك الراعي، الذي يحمل في ملامحه سكينة الأرض وأصالة الأجداد، شاب متعلم تخرج في إحدى جامعات مسقط، ثم عاد إلى موطنه في أعالي الجبال ليخدم أبناءها، ويمنحهم من العلم والمعرفة زادًا للحاضر والمستقبل. في مسلم الحكلي رأيت صورة إنسان ظفار: متمسكًا بأرضه وموروثه وعاداته ولباسه، حاملًا في ذاكرته تراث آبائه وتقاليدهم، من دون أن ينسى نصيبه من العلم والمعرفة والمدنية.

عندها أدركت أن سر ظفار ليس في جمال أرضها وحده، بل في الإنسان الذي منحها روحها وحفظ لها هويتها. هذه هي ظفار التي رأيتها، وهذه هي العين التي رأيت بها ظفار.