No Image
ثقافة

بن عبادي ورحلة في الذاكرة العمانية

05 سبتمبر 2026
05 سبتمبر 2026

بعض الأعمال الفنية لا تنتهي عند حدود العمل نفسه؛ لا تقاس عند رصانة كلماتها، أو حداثة لحنها وشاعريته، أو جودة توزيعها. قد تدخل إليها من باب الموسيقى، ثم تجد نفسك أمام مساحة أوسع، تجمع الذاكرة والمجتمع والهوية بكل ما تحمله من تناقضات وتشابكات.

وهذا تحديدا ما أعتقد أنني أراه في أعمال بن عبادي؛ أعمالا تبدو موسيقية في ظاهرها لكنها تفتح مع كل تجربة جديدة بابا آخر على شيء أعمق من الموسيقى، المجموعة التي تكونت من منذ انطلاقها من عناصر الأغنية الرئيسة (الكلمة، اللحن، والأداء والعمل الفني)، لكن الأهم بينها جميعا "الفكرة"؛ لست بصدد سرد تاريخ المجموعة، وإنما أحاول التأمل في إنتاجاتها وما يمكن أن تقوله الأعمال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن المجتمع والذاكرة والهوية. ولا أعلم إن كان كل ما سأقرأه في هذه الأعمال مقصودًا من المجموعة، لكن المتأمل في تسلسلها الزمني يصعب عليه ألا يلحظ انتقالًا تدريجيا بين موضوعاتها، وكأن كل عمل يفتح الباب لما بعده.

تبدأ رحلة المجموعة من أغنية (بن عبادي)، التي كانت انطلاقتها وحملت اسمها لاحقا، تقدم الأغنية تطويرا لفن بن عبادي، لكن العمل يبدأ بصوت لا يمت لإنتاج العمل بصلة، صوت فتيات صورن أنفسهن بينما يغنين مقطعا بسيطا من فن بن عبادي، وكأن هذه الافتتاحية تخبر المستمع أن البداية من هنا، الفكرة تنطلق من الموروث، من النبش في دهاليز الماضي واستخراج أجمل ما يحويه؛ هنا قد تشكلت الركيزة الأولى التي لا تكاد تفارق أعمال المجموعة فيما سيأتي، وهنا أعني تقديم الموروث الموسيقي بشقيه اللحني والإيقاعي بصورة مطورة دون أن يتملص من أصله، وبشكل يتناسب مع المعايير الفنية المعاصرة، سيرافق هذا المبدأ أعمال المجموعة في غالبيتها لاحقا، حضرت الفنون العمانية بشكل مطور في أكثر إنتاجات المجموعة باختلاف ألوانها الإيقاعية والجغرافيا التي تنتمي لها والمكون الاجتماعي الذي يمارسها.

تتدرج أعمال المجموعة في هدف واضح للمتتبع لما يقدمونه فمن إبراز تنوع اللهجات والذي يبرز في جميع تشكيلة أعمالهم والذي يتجلى في أغنية (عمتيه) التي تحوي لهجة لا تنتمي لمكان جغرافي واحد فتارة تقول إن الكلمات من السويق وتارة أخرى تكون متأكدا أنها صورية المنشأ ويمكن أن تحيلها لجعلان أو بدية، لكنها تبدو عند غنائها متماسكة لا نشاز يعيبها، فهل قدمت بن عبادي العمل لتخبرنا بأن التنوع الذي نملكه على مستوى اللهجات هو لوحة جميلة متى ما وجدت رسامًا جيدًا ينثر خطوطها ويضبط انحناءاتها ويوزع ألوانها بشكل يليق بعُمان؟.

لا تكتفي بن عبادي بالتطرق إلى تنوع اللهجات في عُمان فحسب بل تتجه لمنحى لساني آخر، لدهليز لم تطرق أبوابه فنيا من قبل أو على الأقل حسب متابعتي، فمن اللهجات إلى اللغات، فإذا كان من أهم ما يميّز عمان التنوّع اللغوي؛ حيث تقول المصادر أن في عمان ما لا يقل عن تسع لغات حية، فإن بن عبادي وحدها تطرقت في أعمالها لأربع منها تقريبا، قدمتها جميعها في قالب لا يمكن للمتلقي إلا أن ينسبها لعمان؛ في اعتقادي أنهم نجحوا في هذا أيضًا، وحتى إن كانت الفكرة تجارية في أحد جوانبها فقد أتاحت لهم هذه الأبواب التي طرقوها بجراءة، أكبر قدرًا من الانتشار وحققوا وصولا إلى أغلب مكونات عمان الثقافية.

ومن اللغة يأتي السؤال عن الثقافة التي تقف خلفها. فإذا كانت بن عبادي قد استخدمت لغات متعددة، فإنها لم تتعامل معها بوصفها أصواتًا غريبة تضاف إلى الأغنية، بل أخذت معها شيئا من ثقافة الناطقين بها؛ من المهرية إلى البلوشية والسواحيلية.

وهنا يصبح الأمر أعمق من التنوع اللغوي؛ فالمجموعة لا تقدم هذه المكونات باعتبارها عناصر وافدة على الثقافة العمانية، وإنما كجزء من النسيج الذي تشكلت منه عمان نفسها.

وإذا كانت الكلمات والموسيقى قد حملت هذا التنوع، فإن المادة المرئية في أعمال بن عبادي لا تبدو أقل اهتماما به. ففي "سكر قلام" تتحول مطرح نفسها إلى صورة مصغرة لعمان، لا باعتبارها مكانا جغرافيا فقط، وإنما باعتبارها مساحة تشكلت من تعدد سكانها وثقافاتهم، فتعتمد بدايةً على لزمة أساسية ترافق الأغنية في كل مراحلها وهي (بلادي لي لاروه) في دمج مباشر بين العربية والدارجة البلوشية كما هو مستخدم في أغانيها، ثم تتجه بصريا لسوق مطرح حيث يقف الفنان صالح زعل يتأمل مجموعة صور أحدها للزي النسائي البلوشي القديم ثم لفريق الهوكي –الرياضة غير المنتشرة عربيا- الذي يظهر بزيه العتيق في إشارة إلى أن هذه الرياضة هي من أقدم الرياضات في عمان، فينتقل صالح زعل للصورة الأخيرة لنرى مجموعة من النساء تكوّن لوحة متنوعة من الأزياء العمانية بمختلف أصولها؛ هذه التفاصيل لا تبدو منفصلة عن بعضها؛ فالزي، والرياضة، والصور، والموسيقى، كلها تؤدي وظيفة واحدة: إعادة تقديم مطرح باعتبارها مكانًا تشكلت هويته من التداخل الثقافي؛ مشهد آخر يكون فيه الفنان عايض ممسكا برواية الباغ لبشرى خلفان والتي تتناول الحياة في مسقط القديمة واللافت أن اسم الرواية هو فارسي الأصل ثم أصبح مستخدمًا في الزمن الذي دور في أحداث الرواية نتيجة الاختلاط الثقافي التي كانت مسقط توفره لساكنيها، رفقة الباغ يمسك عايض صحيفة النهضة والتي أسسها السيد سيف بن حمود في زنجبار؛ ثم يأتي مشهد يصور أن الأغنية اعتمدت في موسيقاها على آلات تنتمي للثقافة البلوشية، منها الوتري وأخرى إيقاعية.

الالتفاتة السابقة للعلاقة المتأصلة لعمان مع زنجبار لم تكن الوحيدة، ففي أغنية (راعية الليسو) تظهر صحيفة الفلق العمانية والتي تأسست أيضًا في زنجبار، وفي هذا العمل تبدأ الأغنية سمعيًا بصوت عماني يؤدي أحد الفنون البحرية ولكن باللغة السواحيلية كما هو دارج في الفنون البحرية العمانية، ثم تُبرِز المادة المرئية الأزياء والإيقاعات المستخدمة للآن في عمان والتي تعود أصول وجودها لعلاقة متجذرة مع الثقافة السواحيلية ونتيجة تبادل ثقافي واضح، يبرز في الأغنية اعتمادها على مصطلحات سواحيلية بشكل لافت؛ وتعتمد الأغنية بشكل رئيسي على (الليسو) كرمزية تهيئ لما يريد هذا العمل إيصاله ويبدو اختيار هذه الرمزية ذكيا، حيث إنه يُستَخدم من كافة مكونات المجتمع تقريبًا وينظر له كجزء من الزي النسائي العماني الأصيل ويأتي العمل ليعيد الإعتبار للمكون الثقافي السواحيلي في عمان أو ممن يحمل هذه الثقافة من المهاجرين العمانيين، فالليسو، ذو الأصل السواحيلي، دخل إلى الثقافة العمانية عبر هذا التداخل الطويل مع زنجبار وشرق أفريقيا، لعل دلالة ذلك أن المشهد الثقافي العماني اليوم ليس نتاج مكوّن واحد، بل حصيلة اندماج طويل بين ثقافات متعددة، حتى أصبح بعضها جزءا من الصورة التي نعدّها اليوم عمانية خالصة.

اتجهت مجموعة بن عبادي أخيرا إلى جانب آخر من جوانب هذا اللوحة متعددة الألوان، فمن الفنون إلى اللهجات إلى اللغات ثم إلى التعددية الثقافية، قدموا مؤخرا عمل مختلف أجاد أجزم أنهم يعلمون تماما حساسية ما قدموا؛ أتحدث هنا عن عمل (حايليلي) والذي يعتبر الزار فنًا يمكن تتطويره على جميع الأصعدة سواء على مستوى الكلمة أو اللحن؛ تقدم بن عبادي الزار هنا على نحو مختلف عما هو مألوف في صورته الشعبية؛ إذ تمنحه لغة عاطفية، وتعيد بناءه حول عاشق مشتاق يلجأ إليه لاستجداء قوى ميتافيزيقية تعينه على بلوغ ما يريد قد نرى العمل أداة لاستخراج أفضل ما في الموروث وتوظيفه بطريقه فنية رائعة، وقد يرى الآخر بأنه خوض مباشر في دهاليز المسكوت عنه؛ وفي الحالتين، يبدو أن بن عبادي لم تعد تسأل فقط: ما الذي يمكن أن نقدمه من الموروث؟ بل بدأت تقترب من سؤال أكثر جرأة:

ما الذي نعدّه أصلا جزءا من هذا الموروث؟ بين الموروث واللهجة واللغة والثقافة والذاكرة، وصولًا إلى الزار، يبدو أن تجربة بن عبادي تتحرك في اتجاه واحد: توسيع الصورة التي نرى بها عمان، وتوسيع ما نسمح لأنفسنا بأن نراه جزءا من هويتها.

قد نختلف حول بعض اختيارات المجموعة، وقد نقرأ بعض رمزياتها باعتبارها مقصودة أو نكتفي بقراءتها كتأويل شخصي، لكن المؤكد أنها لا تبدو معنية بتقديم ما نعرفه بالطريقة التي اعتدناها.

ربما تكمن قيمة بن عبادي في أنها لا تكتفي بتقديم ما يطلبه الجمهور، وإنما تحاول أن تصنع ذائقته؛ أن تفتح له بابًا جديدا كل مرة، وتتركه أمام سؤال لم يكن يفكر فيه قبل أن تبدأ الأغنية

ولهذا، فإن السؤال "بن عبادي.. إلى أين؟" لا يبدو سؤالا عن العمل القادم فقط، بقدر ما هو سؤال عن الدهليز التالي الذي ستختار المجموعة أن تدخله.

____