"هؤلاء علموني" النوافذ المشرعة
(1)
في حياة كل منا محطة فاصلة؛ كتاب غير مسارات حياته ووجهه وجهة أو وجهات مغايرة، وقد يكون هو نقطة التأسيس للانفتاح على مساحات في الفكر الإنساني لم يكن له اتصال بها من قبل. في حياتنا وذكرياتنا ما يمثل هذه المحطات والنقاط الفاصلة؛ نتذكرها بعد أن يمضي بنا العمر، ونتقدم في السن ونكتشف أن عقودا باتت تفصلنا عن هذه اللحظات الأولى الطازجة بعفويتها وثرائها وما منحتنا من قدرة ومعرفة واتساع آفاق.
فاضت الذاكرة بما فاضت به وأنا أتأمل غلاف الطبعة الجديدة من كتاب «هؤلاء علموني» للرائد النهضوي سلامة موسى صاحب التأثير الأول والأعمق في روح نجيب محفوظ ومكتشفه كذلك وأول من نشر له روايته «عبث الأقدار» عام 1939 في مجلته الشهيرة آنذاك (المجلة الجديدة).
سلامة موسى (1887-1958) اسم كبير ومهم ومؤثر ضمن جوقة أعلام النهضة ورواد الفكر والأدب والتجديد في الثقافة العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين. كان إحدى النوافذ المشرعة على ثقافة الغرب وتياراته الفكرية والأدبية؛ كان مثقفا من طراز رفيع، عصامي التكوين، غزير الإنتاج، متوجها بكل جوارحه ومشاعره الحماسية وأفكاره التجديدية (بما في ذلك ما شابها أحيانا من شطط أو جنوح أو تأويل مفرط)، ولهذا مثل سلامة موسى علامة بارزة لدى أبناء هذه الفترة (1910-1954)، وكانت كتبه المبتكرة آنذاك وأسلوبه السلس وقدرته على التبسيط وعرض أصعب الأفكار والنظريات التي كان يموج بها العالم في تلك الفترة، كانت تمثل زادا معرفيا وثقافيا أقبل عليه الشباب النهم للمعرفة المتطلع للتعرف على المذاهب الجديدة في الأدب والفكر والسياسة والاجتماع، بكل فضول وشغف.
(2)
مراجعة أدبيات وكتب السيرة والمذكرات لكبار كتاب النصف الأول من القرن العشرين تؤكد أن سلامة موسى كان واحدا من هؤلاء الكتاب الكبار والمفكرين المهمين والمؤثرين جدا في تكوين أي مثقف حقيقي له من الثقافة نصيب..
وقد أدركتُ ذلك بعدما قرأت ما أكده وكرره نجيب محفوظ في عشرات المناسبات عن تأثير هذا الرجل في حياته، خاصة بداياته الفكرية والأدبية، والدور البارز والمؤسس الذي لعبه في حياته كلها..
وقد نشر له ترجمته لكتاب الأثري الشهير جيمس بيكي عن «مصر القديمة» عام 1932 وهو طالب ما زال في كلية الآداب بقسم الفلسفة، ثم نشر له روايته الأولى «عبث الأقدار» عام 1939.. وبعدها بعامين أو ثلاثة تفرقت بهما السبل واتجه كل في وجهته. ومع ذلك، فقد ظل نجيب محفوظ على وفائه وتقديره واحترامه الشديد لأستاذه الأول خارج أسوار الجامعة والذي جسد كثيرا من ملامحه وفكره في الجزء الثالث من الثلاثية «السكرية» من خلال شخصية عدلي كريم..
اللافت أن هذا الرجل رغم أدواره الثقافية الكبرى، وتأثيره العميق في مسار الفكر العربي الحديث والنهضة المصرية بالأخص (1890-1952) التي كانت في بواكيرها لم ينل اهتماما يليق به وبأدواره وبإنتاجه الموسوعي الغزير، ولم تسلط عليه الأضواء كما مجايليه أو معاصريه مثل طه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس العقاد، وأحمد أمين، والزيات، والمازني، وغيرهم، وإن كان هو الأوفى نصيبًا من حملات التشويه والهجوم الأعمى من المتعصبين الذين لم يقرأوا له كتابا واحدا على الأقل ورددوا كما الببغاوات بعض آرائه الجريئة في الفكر العلمي وتجديد اللغة والدعوة إلى بلاغة جديدة، حتى وإن كان فيها بعض الشطط أو الجنوح!
(3)
وكان كتابه الشهير «هؤلاء علموني» الذي وقعت عيني عليه للمرة الأولى في طبعته المختصرة الصادرة عن مشروع مكتبة الأسرة المصرية عام 1996، هو نافذتي الأولى على أسماء بقيمة وحجم الروائي الروسي الكبير دويستويفسكي ونظيره تولستوي، ولأول مرة أقرأ عن أديب كبير اسمه "جوته"، وقرأت لأول مرة عن رائد التحليل النفسي وتفسير الأحلام ومكتشف العقل الباطن "فرويد"، إلخ القائمة التي شكلت فصول الكتاب في تلك الطبعة المختصرة البهية.
كل اسم من هذه الأسماء التي خصص لها فصلا ليس كغيره من الفصول التي يكتبها الأدباء والكتاب عن غيرهم، إنه يكتب من روحه يكتب عن أثر هؤلاء في تكوينه ورؤيته للعالم، إنه لا يسرد سيرة ولا تاريخا مجردا في الفراغ، إنه يكتب عن أفكار خالطها وتشربها وتفاعل معها، اتفق واختلف، يكتب عن نصوص قرأها رأى من خلالها ثقافات أخرى وأمما وشعوبا أخرى نتشارك معها الحياة والإنسانية، بحث عن المشترك الإنساني، بشر بالقيم الإنسانية؛ الحق والخير والجمال، وكانت كتابته كما قلت وأقول مرارا نافذة واسعة مشرعة على ثقافة جديدة، على أسماء كبيرة في التراث الإنساني لم يكن لي بها اتصال أو علم قبل أن أقرأ كتاب «هؤلاء علموني» في طبعته المختصرة سنة 1996.
بعد عشرين سنة من هذا اللقاء الأول، جرت خلالها في النهر مياه كثيرة، وعرفت أكثر عن سلامة موسى وقرأت له وقرأت عنه، وأدركت تماما فرادة وخصوصية هذا الرجل في تاريخ الثقافة العربية رغم كل ما تعرض له من حملات تشويه وإساءة (وربما ما زالت حتى وقتنا هذا) وقعت على الطبعة الكاملة من كتاب «هؤلاء علموني» المشتمل على أكثر من عشرين فصلا (وليس عشر شخصيات فقط كما في الطبعة المختصرة) وقد صدرت مصورة عن الطبعة الأولى وكانت مفاجأة أن تكون هذه الطبعة عن سلسلة (اقرأ) التاريخية العريقة.
وفي 2024 صدرت طبعة أخرى في إطار سلسلة (روائع اقرأ) أحد روافد (اقرأ) بمقدمة لكاتب هذه السطور، وقد قوبلت هذه الطبعة بحفاوة كبيرة جدا، وأقبل عليها القراء في مصر واختفت نسخ هذه الكتاب من على الأرفف خاصة في معارض الكتاب الكبرى..
(4)
الكتب وحدها تخلد أصحابها، الكتب القيِّمة وحدها تتجدد دورة حياتها ووجودها بما تضمنته من أفكار وبشرت به من رؤى وتصورات تجعل من قارئها نفسه وليس نسخة مكررة من أحد آخر. كان كتاب «هؤلاء علموني» دافعا رئيسيا في الاطلاع على إنتاج فولتير محطم الخرافات، وكان فاتح شهية لقراءة إنتاج أعظم كتاب الرواية في القرن التاسع عشر على الإطلاق الكبير دويستويفسكي واكتشاف روائعه الخالدة: «الجريمة والعقاب»، و«الإخوة كارامازوف»، و«الشياطين»، و«قبو الأموات»، و«الممسوسون»، و«المساكين».. إلخ، رواياته وقصصه المذهلة.
كان كتاب «هؤلاء علموني» عتبة أولى للتعرف على دارون وكتابه «أصل الأنواع»، و«رحلة حول العالم»، ولن أعدد فقد أردت ضرب مثال وليس إحصاء العتبات أو المداخل أو البدايات التي كانت تمثل لشاب في الخامسة عشرة من عمره، عوالم لا تحد وآفاقا ليس لها نهاية ومتعة تتضاعف على اكتشاف كل اسم جديد وكل كتاب جديد وكل رواية وكل قصة.. إلخ.
تعلمت من سلامة موسى في مقدمته لهذا الكتاب أن المؤلف الذي نحبه ليس فقط صديقا نأتنس بآرائه ونستفيد بأفكاره، إنما هو أكثر من ذلك. هو بهذه الآراء والأفكار يتسلل إلى قلوبنا وعقولنا فيؤثر في شخصيتنا أو يغيرها، وهو بهذه المثابة، نفسي فسيولوجي له دورة حيوية في وجودنا، ولكن المؤلف العظيم، ليس هو الذي يجعلنا نرى الدنيا بعينيه، ونشهد على الناس والأشياء بضميره، وإنما هو الذي يعلمنا الاستقلال رائين ومشاهدين معاً، وإن لم يكن في رؤيته وشهادته قد فتح بصيرتنا.
إن كل إنسان كون نفسه، ولذلك له الحق في أن يسأل في استقلال، وأن يجيب في استقلال عما يحس وعما يجد، وهؤلاء المؤلفون الذين تخصصوا في الرؤية والشهادة جديرون بأن نقرأهم، ولكن يجب أن نحذرهم وهيهات أن نحذرهم؛ ذلك لأن لكل كاتب إيحاءاته التي لا طاقة لنا بالتخلص منها، وأحياناً له إيعازاته التي تندس إلى عقولنا من حيث لا ندري، ولكن علينا في كل حال أن ننشد الاستقلال.
