مدير عام "الإيسيسكو": اختيار سلطنة عُمان لإطلاق برنامج "جسور الحضارة" يجسد مكانتها التاريخية كملتقى للثقافات
في حوار خاص لجريدة "عُمان" يتناول آفاق العمل الثقافي والحضاري المشترك، يسلط معالي الدكتور سالم بن محمد المالك، المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، الضوء على أبعاد اختيار سلطنة عُمان لاستضافة النسخة الأولى من برنامج "جسور الحضارة"، والانطباعات العميقة التي خرج بها من زيارته لمحافظة ظفار بالتزامن مع موسم الخريف. ويكشف المدير العام للإيسيسكو خلال هذا الحوار عن مرئيات المنظمة لتفعيل مفهوم "الدبلوماسية الحضارية" عبر مشاريع عملية بين الدول الأعضاء، وكيف يمكن لـ"أرض اللبان" ومقومات ظفار التراثية والطبيعية أن تقدم نموذجًا ملهمًا للربط بين صون الهوية والتنمية المستدامة، معرجًا على مجالات الشراكة المستقبليّة بين المنظمة والسلطنة، وبما يتكامل مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
* لماذا اختارت الإيسيسكو سلطنة عُمان لتكون أول دولة تستضيف برنامج "جسور الحضارة"؟
اختارت الإيسيسكو سلطنة عُمان لاستضافة النسخة الأولى من برنامج "جسور الحضارة" لما تتمتع به من تاريخ عريق في التواصل بين الشعوب والثقافات. فقد أسهم موقعها الجغرافي ودورها في التجارة والملاحة عبر المحيط الهندي في ربطها بحضارات ومجتمعات متعددة. وتجمع التجربة العُمانية بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، بما ينسجم مع أهداف البرنامج في تعزيز الحوار بين الحضارات، وترسيخ التفاهم، واحترام التنوع الثقافي. وتجسد مواقع "أرض اللبان" هذا الدور الحضاري بوضوح؛ إذ ارتبطت تاريخيًا بشبكات التجارة والتبادل الثقافي، وأسهمت في وصل عُمان بحضارات وشعوب بعيدة. كما أن علاقات عُمان التاريخية بمحيطها الإقليمي والدولي تجعلها بيئة مناسبة لتقديم التراث بوصفه وسيلة للتواصل والتقارب بين المجتمعات. واختير موسم الخريف في ظفار لإطلاق البرنامج لأنه من أبرز المواسم السياحية والثقافية في السلطنة، ويستقطب زوارًا من داخل عُمان وخارجها. ويتيح هذا التوقيت تقديم البرنامج في سياق يجمع بين الطبيعة والتراث والثقافة، مع إبراز مكانة أرض اللبان ودورها في تاريخ التواصل الحضاري. ومن ثم، جاء اختيار عُمان بوصفها تجربة حضارية متكاملة، وليس فقط موقعًا لاستضافة البرنامج.
* بعد زيارتكم لمحافظة ظفار، ما الانطباع الذي خرجتم به عن التجربة العُمانية في صون التراث وتوظيفه في التنمية؟
خرجتُ من زيارتي لمحافظة ظفار بانطباع راسخ بأن سلطنة عُمان تنظر إلى التراث باعتباره جزءًا حيًا من حاضرها وأحد روافد مستقبلها. وقد لمستُ خلال الزيارة عناية واضحة بصون التراث والحفاظ على أصالته، مع توظيفه بصورة واعية في دعم التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية. وفي محافظة ظفار على وجه الخصوص، تتكامل المقومات الطبيعية مع الموروث الثقافي والتاريخي في صورة فريدة. وتبرز أرض اللبان باعتبارها شاهدًا على حضارة عُمانية امتدت صلاتها عبر طرق التجارة القديمة إلى مناطق بعيدة، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الحضارية المشتركة للإنسانية. واللافت في التجربة العُمانية أن التراث يحظى بمكانته بوصفه مصدرًا للهوية، وفي الوقت ذاته موردًا للتنمية وفرصة لتعريف العالم بعُمان وحضارتها. وهذا التوازن يمنح التراث قدرة على الاستمرار والتجدد، مع الحفاظ على قيمته وأصالته.
لقد أكدت لنا الزيارة أن صون التراث في عُمان يتجاوز حماية المواقع والموروثات، ليصل إلى بناء علاقة متجددة بين الإنسان وتراثه، وتحويل هذا التراث إلى مساحة للتعريف بالثقافة العُمانية وتعزيز حضورها عالميًا. ومن وجهة نظري، تمثل ظفار نموذجًا مميزًا لكيفية تحويل التراث من ذاكرة محفوظة إلى قوة ناعمة للتنمية والتواصل الحضاري، وهي تجربة تستحق أن تُعرّف بها على نطاق أوسع في العالم الإسلامي والعالم.
* برز مصطلح "الدبلوماسية الحضارية" كأحد المداخل الحديثة لتعزيز التعاون الثقافي.. ما المبادرات والآليات العملية التي يمكن من خلالها ترجمة هذا المفهوم على أرض الواقع بين الدول الأعضاء؟
الدبلوماسية الحضارية مفهوم ابتكرته منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو"، ويجمع بين الحضارة والدبلوماسية، من خلال توظيف التاريخ والقيم والموروث الثقافي المشترك في بناء جسور التواصل وتعزيز الثقة والتفاهم بين الدول والشعوب.
وهي ليست مفهومًا نظريًا فحسب، بل مسار عملي يمكن تفعيله عبر تعاون مؤسسي بين المتاحف والجامعات والمراكز الثقافية ومؤسسات التراث، لتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات التوثيق والحفظ والترميم وإدارة المواقع التراثية، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة.
كما يمكن إنشاء شبكات إقليمية للتراث، وتنظيم معارض ومهرجانات متنقلة، وتطوير منصات رقمية مشتركة توثق المخطوطات والصور والوثائق والروايات الشفوية، بما يتيح إتاحة هذا الرصيد الحضاري للباحثين والجمهور، ويعزز حضوره على المستوى الدولي. ومن المهم أيضًا إطلاق برامج للتبادل الثقافي تستهدف الشباب والباحثين والفنانين والحرفيين، وتشمل زيارات ميدانية وورش عمل مشتركة ومشاريع إبداعية تستلهم عناصر التراث وتقدمها بلغة معاصرة، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال الجديدة. ويمكن كذلك ربط المواقع التاريخية ضمن مسارات ثقافية وسياحية مشتركة، مثل طرق التجارة القديمة، ومسارات الحج، ومواقع الحضارة الإسلامية، بما يعزز التعاون الاقتصادي والسياحي، ويعرّف العالم بتنوع الحضارة الإسلامية وثرائها وتعدد روافدها. والأساس في نجاح هذه المبادرات أن تقوم على الشراكة والتكامل، مع احترام خصوصية كل دولة وتنوع تجاربها، بحيث يتحول التراث إلى قوة ناعمة، والثقافة إلى لغة مشتركة، والتاريخ إلى أساس لمستقبل أكثر تعاونًا وتفاهمًا بين الدول الأعضاء.
* هل يمكن أن تصبح محافظة ظفار نموذجًا تستفيد منه دول الإيسيسكو في الربط بين التراث والسياحة والتنمية المستدامة؟
نعم، أرى أن محافظة ظفار تمتلك مقومات تؤهلها لتقديم تجربة ملهمة لدول الإيسيسكو في مجال توظيف التراث في التنمية المستدامة. فهي تتميز بعمقها التاريخي وثرائها الثقافي وطبيعتها المتفردة، إلى جانب الإرث الحضاري المرتبط بتجارة اللبان التي كانت عبر التاريخ أحد جسور التواصل بين الحضارات. وتبرز قيمة التجربة العُمانية في أسلوب إدارة المواقع التراثية، مع الحفاظ على أصالتها وتطوير قدرتها على استقطاب الزوار. كما أن إشراك المجتمع المحلي في حماية التراث والاستفادة من الفرص التي يتيحها يعزز استدامة التجربة ويرسخ ارتباط المجتمع بموروثه. وتفتح التقنيات الحديثة آفاقًا واسعة للتعريف بتراث ظفار، من خلال المنصات الرقمية والتجارب التفاعلية التي تقرّب المواقع التراثية من الأجيال الجديدة وتوسع حضورها على المستوى الدولي.
ويمكن تطوير تجارب سياحية تستند إلى خصوصية ظفار، بحيث يتعرف الزائر على المكان من خلال تراثه وثقافته وبيئته، مع الحفاظ على الموارد التي تمنح المحافظة خصوصيتها وجاذبيتها. ومن هنا، يمكن أن تصبح ظفار نموذجًا تستفيد منه دول الإيسيسكو في تحويل التراث إلى رافعة للتنمية المستدامة، وجعل السياحة وسيلة للتعريف بالحضارة وتعزيز حضورها. ويمكن للإيسيسكو أن تسهم في نقل هذه الخبرات إلى الدول الأعضاء، مع مراعاة خصوصية كل دولة ومواردها وتجربتها المحلية.
* كيف تنظرون إلى القيمة الحضارية والتاريخية لأرض اللبان، وما الذي يمكن أن تقدمه الإيسيسكو لتعزيز حضورها دوليًا؟
تمثل أرض اللبان شاهدًا حيًا على عمق التبادل الحضاري الذي عرفته المنطقة منذ آلاف السنين. فاللبان كان أكثر من سلعة ذات قيمة تجارية؛ فقد ارتبط بطرق التجارة القديمة التي وصلت عُمان بحضارات ومجتمعات بعيدة، وأسهم في نشوء حركة واسعة من التواصل والتبادل بين الشعوب.
ومن هنا، يمكن للإيسيسكو أن تسهم في تعزيز حضور هذا الموروث عالميًا من خلال إبراز قيمته الحضارية في المحافل الدولية، ودعم البحث والتوثيق المرتبط بتاريخه وطرق تجارته، إلى جانب تطوير مبادرات تعليمية وثقافية تعرّف الأجيال الجديدة بهذا الإرث.
* كما يمكن إطلاق برامج عملية تتيح للشباب التعرف على شجرة اللبان وطرق استخراج اللبان وصناعة منتجاته، بما يحول هذا التراث من معرفة محفوظة إلى تجربة حية قابلة للتعلم والاستثمار الثقافي؟
أرى أن أرض اللبان قادرة على أن تكون منصة للحوار الحضاري، تستحضر تاريخ التواصل بين الشعوب وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين الدول التي ارتبط تاريخها بهذه الطرق التجارية العريقة.
* ما الذي لفت انتباهكم في التجربة العُمانية في المحافظة على الهوية الثقافية مع الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى؟
أبرز ما لفت انتباهنا هو ذلك التوازن الجميل بين الاعتزاز بالهوية الثقافية الوطنية والانفتاح الواعي على الحضارات والثقافات الأخرى. فقد استطاعت سلطنة عُمان أن تحافظ على خصوصيتها، مع حضور منفتح في محيطها الحضاري والإنساني.
وهذا التوازن له جذور عميقة في تاريخ عُمان، الذي قام على التواصل والتجارة والحوار مع شعوب وثقافات متعددة. وتواصل السلطنة اليوم تقديم هذه الروح من خلال احترام التنوع الثقافي وتعزيز التفاهم بين الشعوب، بما يجعل تجربتها نموذجًا جديرًا بالتأمل في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى جسور التواصل الحضاري.
* كيف يمكن إشراك المجتمعات المحلية والشباب في حماية التراث وتحويله إلى مورد ثقافي واقتصادي مستدام؟
المجتمع المحلي هو الحارس الطبيعي للتراث، والشباب هم امتداده نحو المستقبل. ومن هنا، فإن حماية التراث تصبح أكثر استدامة حين يشعر المجتمع بأنه شريك في صونه، وصاحب مصلحة في استمراره، ومستفيد من الفرص التي يتيحها. ويبدأ ذلك بمنح الشباب المعرفة والمهارات التي تمكنهم من اكتشاف تراثهم وتوثيقه وتقديمه بصورة معاصرة، مع فتح المجال أمامهم في مجالات ريادة الأعمال الثقافية والصناعات الإبداعية وإدارة التجارب السياحية والثقافية. كما يمكن إشراكهم في توثيق الحرف التقليدية والروايات الشفوية والممارسات المرتبطة بالتراث غير المادي، بما يساعد على انتقالها إلى الأجيال القادمة. أما تحويل التراث إلى مورد اقتصادي، فينبغي أن يقوم على الاستدامة واحترام خصوصية الموروث. فالقيمة الاقتصادية للتراث تزداد حين تكون مرتبطة بحمايته، وحين تعود ثماره إلى المجتمع المحلي وتوفر للشباب فرصًا للعمل والابتكار. وهنا يمكن للتقنيات الحديثة أن تفتح آفاقًا جديدة، من خلال تحويل القصص والمواقع والحرف والممارسات التراثية إلى تجارب ثقافية تصل إلى جمهور أوسع، وتمنح أصحابها فرصًا جديدة للتعريف بتراثهم والاستفادة منه.
والغاية في النهاية هي أن يصبح التراث جزءًا من حياة المجتمع ومستقبله؛ يحميه المجتمع لأنه يعتز به، ويستثمره لأنه يؤمن بقيمته، ويحمله الشباب إلى المستقبل بروح جديدة ليحمله بعدهم الجيل الذي يليهم.
* هل تتجه الإيسيسكو إلى إطلاق مشروعات أو برامج تعاون محددة مع سلطنة عُمان بعد هذه الزيارة؟
بالتأكيد. فالتعاون بين الإيسيسكو وسلطنة عُمان يقوم على شراكة راسخة شهدت خلال السنوات الماضية عددًا من المبادرات والمشروعات في مجالات متعددة. وقد أسهمت السلطنة بصورة مميزة في دعم حضور الإيسيسكو على المستوى الدولي، بما يعكس عمق هذه الشراكة ومكانتها. ومن أبرز مجالات التعاون القائمة إنشاء كرسي للإيسيسكو للذكاء الاصطناعي في جامعة العلوم والتقنية في سلطنة عُمان، إلى جانب التعاون في توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، والاستفادة من تقنيات الاستشعار في المجالات البيئية. كما شمل التعاون مجال التراث من خلال تسجيل عدد من المواقع والعناصر التراثية العُمانية في سجل التراث في العالم الإسلامي، بما يسهم في إبراز هذا الرصيد الحضاري والتعريف به دوليًا.
واحتضنت سلطنة عُمان كذلك عددًا من المؤتمرات والندوات والمنتديات التي نظمتها الإيسيسكو، ومن بينها المؤتمر الثالث لوزراء التربية والتعليم، إلى جانب برامج وفعاليات مشتركة في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والابتكار. ويمتد حضور عُمان في دعم العمل الثقافي الدولي إلى فضاءات أوسع، ومن الشواهد البارزة على ذلك افتتاح مكتبة السلطان قابوس هذا العام في منظمة اليونسكو. فالمكتبة أكثر من مكان للكتاب؛ إنها حاضنة للمعرفة ومساحة للحوار وجسر يصل الفكر العُماني بالمشهد الثقافي العالمي. وما قدمته السلطنة من دعم لإنشاء هذه المكتبة يعكس إيمانًا عميقًا بقوة المعرفة ودورها في بناء جسور التفاهم بين الشعوب، وسيترك أثرًا ثقافيًا بالغًا في اليونسكو وفي المشهد الدولي.
وهذه الزيارة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون. فقد أتاح لنا وجودنا في ظفار التعرف بصورة أعمق على التجربة العُمانية وما تمتلكه من خبرات ومبادرات يمكن البناء عليها، خاصة في مجالات التراث والتنمية المستدامة والثقافة والابتكار. ونتطلع إلى بلورة مبادرات جديدة مع الجانب العُماني خلال المرحلة المقبلة، تنطلق من الأولويات الوطنية للسلطنة وتنسجم مع توجهات الإيسيسكو، مع التركيز على مشروعات عملية ذات أثر ملموس.
وأرى أن عُمان قادرة على أن تكون شريكًا أكثر حضورًا في منظومة مشاريع الإيسيسكو، وأن تتحول بعض تجاربها الناجحة إلى نماذج تستفيد منها دول أخرى في العالم الإسلامي. وما نعمل عليه اليوم هو امتداد لما تحقق، مع تطلع إلى مرحلة جديدة من التعاون النوعي الذي يخدم عُمان ودول الإيسيسكو على حد سواء.
* كيف يمكن أن تتكامل برامج الإيسيسكو مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، خصوصًا في مجالات الثقافة والتراث والتنمية المستدامة؟
هناك مساحات واسعة للتكامل بين برامج الإيسيسكو ومستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تمثل رؤية طموحة للمستقبل، وتقوم على استشراف التحولات العالمية والاستعداد لها، مع وضع الإنسان والشباب في قلب مسيرة التنمية. وما يميز هذه الرؤية أنها تنظر إلى المستقبل بعقلية جديدة، وتترجم تطلعات الأجيال القادمة إلى مسارات قابلة للتنفيذ. ومن هذا المنطلق، يمكن للإيسيسكو أن تكون شريكًا معرفيًا في دعم عدد من مستهدفات الرؤية، خاصة في مجالات الثقافة والتراث والاقتصاد القائم على المعرفة. ويمكن أن يمتد التعاون إلى تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، وتمكين الشباب من تحويل عناصر الهوية والتراث العُماني إلى مشروعات مبتكرة ذات قيمة اقتصادية مستدامة.
وفي مجال التراث، يمكن توسيع التعاون في التوثيق والحفظ الرقمي، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في حماية التراث المادي وغير المادي وتقديمه للأجيال الجديدة بأساليب تواكب العصر. كما تمثل السياحة الثقافية المستدامة مجالًا واعدًا للتعاون، من خلال تطوير تجارب ومسارات تربط التراث بالمجتمعات المحلية، وتحوّل المواقع والعناصر الثقافية إلى فرص للتنمية مع الحفاظ على خصوصية المكان وموارده.
وتحظى مسألة تمكين الشباب بأهمية خاصة؛ فالشباب الذين تخاطبهم رؤية "عُمان 2040" هم جيل يعيش التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ويحتاج إلى معرفة ومهارات تواكب اقتصاد المستقبل. وهنا تستطيع الإيسيسكو أن توفر منصات للتبادل والخبرات والتدريب، وأن تربط الشباب العُماني بشبكة واسعة من نظرائهم في دول العالم الإسلامي. وأرى أن التكامل بين الإيسيسكو ورؤية عُمان 2040 يمكن أن يتجاوز التعاون في تنفيذ البرامج إلى شراكة تستشرف المستقبل، تستفيد من التجربة العُمانية وتربطها بالخبرات المتراكمة في دول الإيسيسكو. وبذلك تصبح الثقافة والتراث رافعة للتنمية، وتصبح المعرفة والابتكار أدوات لصناعة مستقبل أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية وتطلعات الشباب.
* ما الرسالة التي تحملونها إلى الدول الأعضاء في الإيسيسكو بعد تجربتكم في محافظة ظفار؟
رسالتي إلى الدول الأعضاء في الإيسيسكو هي أن العالم الإسلامي يمتلك ثروة حضارية وثقافية هائلة، وأن الاستثمار في هذه الثروة هو استثمار في المستقبل، إلى جانب كونه وفاءً لذاكرة الشعوب وهويتها. فالتراث كائن حي يعيش مع الإنسان، ويستمد قيمته من اهتمام الإنسان به ورعايته. وهو ذاكرة الشعوب التي تحفظ قصتها، وجزء أصيل من هويتها التي تستمد منها عمقها الحضاري ومكانتها. ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على التراث تبدأ من الإنسان نفسه، وتأتي مسؤولية الشباب في مقدمة هذه المسؤولية. نحن نعول على الشباب في حمل هذه الأمانة، وندعوهم إلى التطوع من أجل تراثهم والمشاركة في صونه والتعريف به. والأهم أن نزرع في قلوبهم وعقولهم أن تراثهم جزء لا يتجزأ من شخصيتهم وهويتهم، وأن ما تركه لهم الآباء والأجداد هو أمانة أوكلت إليهم، ليحافظوا عليها ويسلموها إلى الأجيال القادمة. وهذا ما لفت انتباهنا في سلطنة عُمان، وفي محافظة ظفار على وجه الخصوص، من اهتمام واضح بالتراث وصونه وإبراز قيمته. ونأمل أن تتسع هذه الروح في مختلف دول العالم الإسلامي، لأن حضارتنا تستحق أن تُعرف بما قدمته للإنسانية وما تركته من تراث علمي وثقافي وإنساني عظيم. لقد أسهم علماء الحضارة الإسلامية في إثراء مسيرة المعرفة الإنسانية، ووضعوا أسسًا مهمة في مجالات العلوم والفكر والمعرفة. وما حفظته دول العالم الإسلامي من مواقع ومخطوطات وحرف وفنون وموروثات يمثل ذاكرة حية لهذا الإسهام الحضاري.
رسالتي إذن أن نجعل من تراثنا مصدرًا للفخر، ومن المحافظة عليه مسؤولية مشتركة، ومن الشباب أمناء على هذه الأمانة. فحين يعرف الشباب قيمة تراثهم، ويتطوعون لحمايته، يصبح التراث حاضرًا في حياتهم وقادرًا على الوصول إلى الأجيال القادمة. فالتراث أمانة تسلمها جيل من جيل، وقيمته الحقيقية أن يبقى حيًا في الإنسان، وأن يحمله الشباب بأمانة إلى المستقبل.
