من يوقف مجازر الشاحنات؟

02 سبتمبر 2026
02 سبتمبر 2026

يوم السبت، التاسع والعشرون من أغسطس الماضي، أفاقت سلطنة عُمان على حادث مروّع، شاحنة تتسبب في حصد أرواح ستة مواطنين، بالإضافة إلى ثماني حالات حرجة، وثماني عشرة إصابة، ست نساء من أسرة واحدة قضين في الحادث، فتيات ينظرن إلى المستقبل بعين الأمل، يضحكن ويتبادلن الحديث في الطريق، يحكين عن خططهن البسيطة لليوم التالي، عن الأطفال الصغار، وعن الأشياء الجميلة، وفجأة.. ودون سابق إنذار، يسبق القدر الأجل، وتتسبب شاحنة، تحمل أطنانًا من الحديد، في حصد كل أحلامهن، فتنتهي رحلتهن في الحياة قبل أوانها، ويظلم كل شيء، ويرحلن عن هذا العالم، محمّلات بأحلام لم تتحقق، وطموحات لم تُنجز.

شاحنة محمّلة بالحديد، تسير على شارع عام، لا تأبه بما حولها من سيارات صغيرة، تسابق الريح كي تصل إلى نقطة الوصول، ورغم أنها لم تكن سببًا مباشرًا في الحادث السابق -كما أشار التقرير- إلا أن الكارثة التي حدثت لا تعفي أحدًا من المسؤولية، فهذه الشاحنات التي باتت عبئًا على الطرقات، ومصدر خطر محدق بحمولتها، والتي تسببت بحوادث كارثية دامية في كثير من الأحيان في السابق، تحتاج إلى وقفة حازمة من السلطات المختصة، فسائقو هذه المركبات العملاقة عادة ما يواصلون الليل بالنهار لإيصال حمولتهم، يعبرون من بلد إلى بلد، وليس سرًّا أن كثيرًا من قائدي هذه الشاحنات يتناولون (المنبّهات) بشكل مستمر كي يحافظوا على طاقتهم ووعيهم، غير أن ذلك لا يجدي نفعًا أحيانًا، حين تزيد الساعات، وينتهي مفعول (المنبّه)، وتبدأ طاقة السائق بالنفاد، وقد يغفو وهو يقود المركبة، فتحدث الكارثة، وقد يلتهي بالهاتف، أو يقود بسرعة عالية غير آبهٍ بمن حوله، وقد يزاحم السيارات الأخرى في الدوارات، أو الطرق الضيقة، ويتسبب في حوادث مؤلمة، والشواهد على ما تسببت به الشاحنات من مجازر كثيرة.

إن وجود مسارات بديلة لهذه الشاحنات، خاصة ذات الحمولات الثقيلة، أمر لا مفر منه، حفاظًا على أمن وسلامة مرتادي الشوارع العامة، إما من خلال استحداث طرق بالمعالجة السطحية في المراحل الأولى، أو تمديد ساعات منع مرورها، خاصة في ساعات الذروة، إضافة إلى تشديد الرقابة عليها، ووضع ضوابط صارمة لمرورها، وعلى اشتراطات السلامة بالنسبة لحمولتها، وإلزام السائق بالسير في المسار الأيمن، ومنع التجاوز بأي حال من الأحوال، وتشديد العقوبات الرادعة، وعدم التساهل مع أي سائق شاحنة وافد يستهتر بأرواح الناس، ويتجاوز حدود القيادة الآمنة، ومنعه من دخول البلاد، دون أيّ تهاون في ذلك، فأرواح الناس ليست مجالًا للمساومة، والحفاظ عليها مسؤولية الدولة بشكل عام، وعلى رأسها شرطة عُمان السلطانية، ووزارة النقل بما تستحدثه من مواصفات متينة للشوارع.

إن استخدام الشاحنات للطرقات العامة يتسبب -بالإضافة إلى ترويع مرتادي الشارع- في أعباء اقتصادية على الدولة، فهي تسهم في تقليل العمر الافتراضي للإسفلت، وتآكل الجسور العلوية مع مرور الوقت، مما يستدعي اللجوء إلى الصيانة الدورية بشكل أكثر، وغير ذلك من أمور فنية، تستدعي الوقوف معها، وإيجاد الحلول والبدائل التي تقلل من احتمالية الحوادث الكارثية التي تتسبب بها الشاحنات، والرعب الذي تثيره في نفوس من يرتادون الطريق.

كل التعازي لأسرة ضحايا كارثة سمائل، ونسأل الله أن يتغمد الجميع بواسع رحمته، وأن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان.