الطريق عبر دمشق .. كيف يمكن لسوريا أن تستفيد من اقتصاد ما بعد هرمز؟

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026

جيسي ماركس - نيكولاس ليال

في مطلع أبريل عبرت قافلة تضم 299 صهريجا عراقيا لنقل الوقود إلى سوريا في طريقها إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط في واحد من المسارات القليلة المتبقية للوصول إلى الأسواق الدولية في ظل إغلاق مضيق هرمز.

وكانت تلك المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي سوريا بصورة قانونية منذ عام 2003 حين أدى الغزو الأمريكي للعراق فعليا إلى وقف تدفق النفط عبر الحدود من العراق إلى سوريا.

وفي أواخر أبريل وسّع العراق استخدام هذا المسار، وأعاد فتح معبر ربيعة الشمالي مع سوريا الذي ظل مغلقا لأكثر من عقد خلال الحرب الأهلية السورية. وبين أبريل وأواخر يوليو نُقل أكثر من 2.1 مليون طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.

قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011 كانت البلاد تمثل ملتقى تجاريا بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، وتربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية، لكن سوريا تحولت بعد عام 2011 إلى مركز عبور من نوع آخر.

فقد هيمنت على حركة التجارة الأسلحة الإيرانية والإمدادات اللوجستية المتجهة إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وأشكال أخرى من التجارة غير المشروعة التي ملأت خزائن بشار الأسد، من دون أن تحقق للسوريين سوى القليل من المنافع.

بعد أن أطاحت هيئة تحرير الشام، الجماعة المسلحة التي كان يقودها في السابق الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بنظام الأسد في نهاية عام 2024، بدأت حركة التجارة الإقليمية تعود تدريجيا.

وبحلول أغسطس 2025 كان ما يصل إلى 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من سبعة ملايين طن من البضائع قد عبرت إلى سوريا وفقا لتقديرات هيئة الجمارك السورية.

وبدأ الأردن وقطر والسعودية وتركيا تطبيع علاقاتها مع البلاد وممارسة الأعمال التجارية فيها. وتحركت السلطات الجديدة في دمشق بسرعة لاستعادة علاقات سوريا مع طيف واسع من الشركاء الإقليميين والدوليين، بهدف إنهاء العزلة الاقتصادية التي عاشتها البلاد.

ومع أهمية هذه الخطوات، فإنها لا تقترب من تلبية احتياجات إعادة بناء سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. ففي عام 2025 قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في عام 2024.

ويعمل قادة سوريا الآن على وضع البلاد في موقع يتيح لها الاستفادة من عودة الاضطرابات الإقليمية. فمنذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير، تضاعفت فرص الاستثمارات الأجنبية الجديدة في سوريا.

ومع تزايد مخاطر الرد الإيراني التي تترتب على الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الاعتماد على مضيق هرمز، تتجه دول كثيرة إلى سوريا، التي تمتلك مجموعة من المسارات البرية والبحرية ذات المواقع الاستراتيجية.

وتحاول السلطات السورية استثمار التدفق المحتمل لرؤوس الأموال والتجارة في إنشاء مصدر جديد للإيرادات، بما يسمح للدولة بإعادة صياغة صورة البلاد؛ من مصدر للاجئين والإرهاب والاضطراب الإقليمي إلى قوة عبور تؤدي دورا رئيسيا في شبكات الربط الإقليمي.

لكن سرعة الاستثمارات وحجمها قد يتجاوزان أيضا قدرة المؤسسات اللازمة لإدارتها. وإذا لم تخضع موجة الاستثمارات الجديدة التي تبدو واعدة إلى هذا الحد الآن لتدقيق مناسب، ولم تُوزع عوائدها على نحو عادل، فقد تتحول إلى عامل يزعزع مسار التعافي الهش في البلاد.

الارتدادات

الحاجة إلى مسارات عبور أفضل وأكثر تنوعا عبر الشرق الأوسط ليست جديدة، لكن الحرب الأهلية السورية جعلت العبور عبر البلاد مستحيلا لما يقرب من 15 عاما.

ففي عام 2009 بدأت الحكومتان السعودية والتركية مناقشات لإعادة تطوير مسار سكة حديد الحجاز، الذي أنشأته الإمبراطورية العثمانية، ودُمّر جزء كبير منه خلال الحرب العالمية الأولى، غير أن اندلاع الحرب الأهلية السورية أدى إلى التخلي عن تلك الخطط.

وبين عامي 2010 و2021 تراجعت الصادرات السورية بنحو 90 في المائة. وأُغلقت طرق العبور الرئيسية عبر البلاد بالكامل مع تفكك الدولة إلى مناطق نفوذ متنافسة.

وفي عام 2023 اقترحت الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وشركاء أوروبيون «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» بوصفه وسيلة لتعزيز الترابط داخل المنطقة وبين الأقاليم، ودمج إسرائيل التي تمثل إحدى عقد هذا الممر مع جيرانها.

وجعل الاضطراب في مضيق هرمز توسيع هذه المشروعات أكثر إلحاحا. ففي أبريل ويونيو من هذا العام اتفقت حكومات الأردن والسعودية وسوريا وتركيا على إعادة تطوير سكة حديد الحجاز خلال فترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات.

وتشير تحليلات لممرات سكك حديد إقليمية مماثلة، من بينها تحليل للمجلس الأطلسي، إلى أن الخط يمكن أن ينقل في مرحلته الأولى نحو 1.5 مليون حاوية سنويا مع إمكانية ارتفاع الرقم إلى ثلاثة ملايين حاوية إذا جرى توسيع طاقة السكك والموانئ.

ويتقاطع هذا المقترح مع الرؤية العامة التي طرحها الشرع خلال قمة غير رسمية للاتحاد الأوروبي في أبريل جمعت قادة من أوروبا والشرق الأوسط بشأن مبادرة «البحار الأربعة والممرات التسعة» التي تضع سوريا في قلب شبكة تربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، وتيسر التجارة البرية والبحرية في السلع والكهرباء والنفط.

ثم اتفق العراق وسوريا في يوليو على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس النفطي، الذي دُمّر خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ بهدف إنشاء منفذ دائم للنفط العراقي على البحر المتوسط.

وإذا دخل خط الأنابيب الخدمة ضمن الإطار الزمني المقدر بأربع سنوات فقد ينقل مليوني برميل يوميا بحلول عام 2030، وهو ما يعادل نحو 60 في المئة من صادرات العراق من النفط الخام قبل الحرب مع إيران، ونحو تسعة في المائة من إجمالي النفط الذي كان يمر عبر مضيق هرمز.

ومع التخطيط أيضا لمسارات جديدة عبر تركيا، سيكون العراق في موقع يتيح له توجيه أكثر من 80 في المائة من حجم صادراته بعيدا عن هرمز منهيا بذلك اعتماده شبه الكامل على موانئ الخليج.

لكن هذه التحولات لا تضمن بالضرورة تحسن الأوضاع الاقتصادية والسياسية للسوريين.

فالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها نفوذا جيوسياسيا لدى القوى الخارجية الساعية إلى تنويع طرق التصدير، لكنه يضع البلاد كذلك في قلب تنافسات إقليمية آخذة في التشكل؛ مع تقارب السعودية وتركيا في المجال الأمني، وتنامي الدور التجاري للإمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية، ومحاولة إسرائيل منع تركيا من ترسيخ نفوذ بالقرب من حدودها.

وقد يدفع التنافس على من سيمول هذه الممرات ويديرها ويحميها سوريا إلى صراعات لا تزال أوضاعها الداخلية أكثر هشاشة من أن تحتملها.

حاولت دمشق الحد من هذا الانكشاف عبر العمل مع كل قوة تقريبا تبدي استعدادا لدعم إعادة إعمار سوريا وإعادة دمجها، بما في ذلك قطر والسعودية وتركيا والإمارات والولايات المتحدة، إلى جانب الصين وروسيا، لكن هذه الاستراتيجية تزداد صعوبة مع مرور الوقت؛ إذ يدفع نفوذ أبرز الداعمين الماليين لسوريا دمشق تدريجيا نحو محور قطري-سعودي-تركي.

وإذا اشتدت المنافسة على هذه الممرات بوتيرة تتجاوز قدرة سوريا على إدارتها فقد تجد البلاد نفسها عرضة لمزيد من السيطرة الخارجية واستنزاف مواردها.

وقد تشكل إسرائيل أيضا عقبة كبيرة أمام عودة سوريا بوصفها ممرا موثوقا للتجارة. فإذا نجحت إعادة بناء سكة حديد الحجاز فإنها ستقلص أهمية إسرائيل بالنسبة إلى «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، وكذلك دورها بوصفها بوابة على البحر المتوسط للدول العربية.

ومن المرجح أن تحاول إسرائيل مقاومة هذا التحول.

ففي فبراير حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من «محور سني راديكالي آخذ في التشكل» مع ازدياد تقارب سوريا مع قطر والسعودية وتركيا.

وفي يونيو حذرت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف من أن شراكات التجارة والطاقة الإقليمية المصممة لتجاوز إسرائيل تمثل «تهديدا استراتيجيا حقيقيا للأمن القومي» واضعة بذلك صعود سوريا كممر تجاري بديل ضمن التصور الإسرائيلي الأوسع للتهديدات.

وقد أظهرت إسرائيل استعدادها لاستخدام القوة ضد تلك الدول. ففي عام 2025 قصفت مجمعا لحماس في الدوحة، ونفذت هجمات واسعة في أنحاء سوريا، شملت قواعد جوية كانت فرق عسكرية تركية تدرس إمكانية استخدامها لنشر قوات داخل سوريا، كما استولت على أراض إضافية في جنوب البلاد.

وفي أغسطس 2026 قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية بعدما زعمت أن دمشق تستعد للسماح بانتشار تركي فيها يهدف، بحسب تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى «إلحاق الضرر بإسرائيل».

أما دمشق، التي لا تستطيع تحمل كلفة حرب مع إسرائيل، فقد امتنعت عن الرد العسكري وسعت إلى دفع إسرائيل نحو الانسحاب من خلال المشاركة في مفاوضات بوساطة أمريكية.

غير أن هذا النهج المتحفظ قد لا يردع إسرائيل عن توسيع احتلالها غير القانوني لأراض سورية، أو استهداف البنية الأساسية السورية، أو تأجيج حالة عدم الاستقرار من خلال علاقاتها مع أقليات سورية، وهي ممارسات تعرقل جميعها مشروعات حيوية لتعافي سوريا.

وكما ذهب محللا شؤون الشرق الأوسط شيرا إفرون وداني سيترينوفيتش في مقال لهما في «فورين أفيرز»؛ فإن محاولات الحكومة السورية الجديدة التصدي لهذه العمليات قد تفضي إلى تحول إسرائيل وسوريا إلى خصمين دائمين. كما أن هذه المحاولات ستتطلب مزيدا من الدعم من قوى خارجية.

ثمن الدخول إلى اللعبة

يؤثر النفوذ المتزايد للقوى الأجنبية في سوريا أيضا في أبعاد سياسية مهمة من عملية إعادة إعمار البلاد. فطوال سنوات الحرب الأهلية، منح الأسد الدول التي دعمت نظامه القمعي حق الوصول إلى الأراضي السورية وأصولها الاقتصادية.

أنشأت روسيا قواعد عسكرية، وحصلت على امتيازات مربحة في الفوسفات والنفط والغاز والموانئ.

واستخدمت إيران سوريا جسرا بريا إلى لبنان، ونشرت آلاف الجنود داخل البلاد. وجرت محاولات إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط الأسد تحت وطأة هذا الإرث.

وقد أنهت الحكومة التي يقودها الشرع، إلى حد بعيد، هذا النمط من تفويض أجزاء من السيادة السورية إلى قوى خارجية؛ فأخرجت القوات الإيرانية وقوات حزب الله من سوريا، وفككت الشبكات التي كانت تدعم الممر العسكري الإيراني عبر البلاد، واستعادت السيطرة على قواعد عسكرية كانت خاضعة لروسيا، وإن كان تشغيل هذه القواعد سيظل مشتركا، لكن خطر تفويض السيادة إلى الخارج لم يختف. فما تزال دمشق تحاول التعامل مع منظومة حكم وطني شديدة التفكك.

وعلى مدى سنوات خضعت أنظمة إدارة الجمارك في أنحاء الأراضي السورية لسلطات منفصلة ومتنافسة بعضها حكومي وبعضها الآخر غير حكومي، وفي مقدمتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يقودها الأكراد.

ومع أن دمشق استعادت سلطتها على المعابر الحدودية مع العراق الواقعة في مناطق كانت خاضعة لسلطة الأقلية الكردية، فإن المعبر الرئيسي من تلك المناطق إلى تركيا لم يُفتح بعد.

ومن أجل جذب التمويل اللازم لإعادة إعمار سوريا خفّضت الحكومة الجديدة القيود أمام القوى الإقليمية والدولية الراغبة في الوصول إلى طرق البلاد وموانئها وأراضيها والاستثمار فيها، وهي مشروعات يمكن أن تسهم في ربط المناطق السورية التي ظلت مفككة عن بعضها.

وفي يونيو الماضي وقّع الشرع مرسوما يتيح للمستثمرين الأجانب حقوق ملكية كاملة في معظم القطاعات، وحرية غير مقيدة في تحويل أرباحهم إلى الخارج، فضلا عن إعفاءات واسعة من الضرائب والرسوم الجمركية.

ويركز المرسوم سلطة منح تراخيص الاستثمار، وإتاحة أراضي الدولة، وتحديد الأهلية للحصول على الحوافز الضريبية الكبرى في مؤسسات وثيقة الصلة بالرئيس، ما يمنحه نفوذا كبيرا في تحديد من يحق له الاستثمار في اقتصاد سوريا بعد الحرب.

ومن المرجح أن يساعد هذا التركيز للسلطة على تسريع إجراءات الاستثمار وتبسيطها.

لكن في غياب رقابة مستقلة على مثل هذه القرارات، وهي رقابة لم تنشئها سوريا حتى الآن، قد يؤدي تركيز السلطة أيضا إلى إحياء ممارسة تعود إلى عهد الأسد حين كان السماح بالوصول إلى الفرص الاقتصادية يُستخدم مكافأة على الولاء السياسي.

وقد تجعل مثل هذه المنظومة إعادة الإعمار مصدرا جديدا للمحسوبية السياسية بما يقوض شرعية الحكومة الجديدة في نظر السوريين الذين يُحرمون من نصيبهم من هذه الفرص، وربما يعيد إنتاج أوجه التفاوت نفسها التي أسهمت في تفكك البلاد في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية.

تمنح الامتيازات طويلة الأجل الشركات الأجنبية نفوذا كبيرا على بنى أساسية حيوية. فشركة الشحن «CMA CGM» المملوكة لجهات فرنسية تمتلك امتيازا لمدة 30 عاما لإدارة ميناء اللاذقية، أكبر موانئ سوريا، بموجب ترتيب تحصل الحكومة السورية من خلاله على 60 في المئة من إيرادات الميناء.

أما شركة «موانئ دبي العالمية» التي تتخذ من الإمارات مقرا لها، فستمول بناء بنية أساسية جديدة في ثاني أكبر موانئ سوريا وتتولى تنفيذها، مقابل حصولها على حق تشغيل المنشأة لمدة 30 عاما على أن تعود السيطرة عليها بعد ذلك إلى دمشق.

لكن في ظل عدم نشر أي تفاصيل تتعلق بتقاسم الإيرادات في هذه الصفقة، ما يزال من غير الواضح حجم العائد الذي ستحصل عليه الدولة، أو الكيفية التي ستدار بها هذه الإيرادات وتوزع.

ويجعل الحجم الهائل لإعادة إعمار سوريا من الصعب مقاومة الاعتماد على التمويل الأجنبي؛ فعلى الرغم من أن البنك الدولي خصص ما يقرب من 500 مليون دولار في صورة منح لمشروعات الخدمات العامة المتعلقة بالكهرباء والمياه والصحة والمؤسسات المالية، فإن هذا المبلغ يغطي أقل من واحد في المائة من احتياجات إعادة الإعمار في البلاد. وفي أكتوبر، قال الشرع: إن حكومته استطاعت خلال الأشهر العشرة الأولى من عملها جذب تعهدات استثمارية بقيمة 28 مليار دولار من مستثمرين أتراك وخليجيين، وهو ما يعادل نحو 13 في المائة من إجمالي احتياجات سوريا المقدرة.

لكن أكبر هذه التعهدات يتجه إلى مشروعات البنية الأساسية والتنمية التي تمنحها الحكومة، مثل محطات الطاقة والموانئ والمطارات والاتصالات والعقارات الحضرية، فيما تحظى استعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المنازل المدمرة في المجتمعات السورية الأكثر تضررا باهتمام محدود.

وإضافة إلى ذلك يأتي جزء كبير من هذه المبالغ في صورة اتفاقات أولية.

وأنشأت حكومة الشرع صندوقين لإدارة عملية إعادة الإعمار: «صندوق التنمية السوري» المخصص للتبرعات والمنح الموجهة إلى إعادة بناء البنية الأساسية العامة مثل الطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء، و«الصندوق السيادي السوري» الذي صُمم على غرار صناديق الثروة السيادية في دول الخليج، ليتولى إدارة أصول الدولة، والاستثمار في الممتلكات العامة، والمساهمة بحصص في المشروعات الاستراتيجية.

وتُعد الصناديق المخصصة لإعادة الإعمار أمرا شائعا في الدول الخارجة من الصراعات، كما يمكن تبرير إنشاء صندوق سيادي لتوحيد إدارة أصول عامة كانت تاريخيا مجزأة ومتعثرة وسيئة الإدارة، لكن مصدر القلق يكمن في أن الصيغة الحالية للصندوق السيادي السوري تضع إدارة الأصول العامة مباشرة تحت سلطة الرئيس، من دون رقابة مستقلة، وفي ظل قدر محدود من الإفصاح العام عن هيكل الصندوق وطريقة إدارته، على نحو يذكّر ببرامج إعادة إعمار مماثلة في أفغانستان والعراق والصومال.

وحتى الإصلاحات التي يُفترض أن تعزز المساءلة يجري تركيزها تحت سلطة الرئيس؛ فالمركز المزمع إنشاؤه للتحكيم في النزاعات الاستثمارية والتجارية، على سبيل المثال، سيكون تابعا لهيئة الاستثمار السورية، وهي بدورها مرتبطة برئاسة الجمهورية.

وقد تمنح هذه البنية الرئيس نفوذا مفرطا في تحديد المستثمرين والمناطق والمجتمعات التي ستستفيد من عملية التعافي. وفي بلد عانى منذ ستينيات القرن الماضي من إساءة الدولة استخدام السلطة والثروة، يبدو هذا النمط من السيطرة مألوفا على نحو يبعث على القلق.

جني العوائد

لا تستطيع ممرات النقل والاستثمارات أن تحقق عوائد مستدامة إذا أدى تجدد الانقسام إلى الإبقاء على الفجوة بين دمشق قوية وثرية وأطراف فقيرة ومتأخرة في التنمية.

وفي نهاية المطاف تتوقف قدرة سوريا على تحويل الاستثمار الأجنبي إلى مكاسب محلية على نجاح دمشق في إقامة نظام سياسي يمكن التنبؤ به.

وحتى الآن تبدو الحكومة وكأنها تحقق تقدما مطردا، غير أن الطريق أمامها ما يزال طويلا. وخلال العامين الماضيين اتسمت حملة الشرع لإعادة توحيد البلاد بالعنف.

وقد عمّقت المواجهات على الساحل ذي الأغلبية العلوية، وفي منطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وفي أنحاء الشمال الشرقي الذي كان خاضعا لقيادة كردية، حالة انعدام الثقة بين الدولة والمجتمعات التي تسعى إلى حكمها.

وقد شكل تجدد المواجهة بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، وهي تحالف يقوده الأكراد ومدعوم من الولايات المتحدة حكم أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضا باسم «داعش»، من المنطقة، التحذير الأوضح من خطر عودة الحرب الأهلية.

فعلى الرغم من أن الحكومة المركزية و«قسد» وقعتا اتفاقا للاندماج في مارس 2025، فإن الخلافات بشأن دمج القوات عسكريا والحكم الذاتي الكردي حالت في البداية دون تنفيذه، وأفضت إلى اندلاع القتال في يناير، ما تسبب في نزوح أكثر من 170 ألف شخص.

وبعد أن أوقف وقف لإطلاق النار بوساطة أمريكية تقدم القوات الحكومية شمالا، وقعت دمشق وقيادة «قسد» اتفاقا يقضي بنقل السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المحلية إلى دمشق، ودمج مقاتلي «قسد» في الجيش السوري.

وفي أغسطس وبعد أشهر من التنفيذ التدريجي للاتفاق أعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي حل التحالف بوصفه قوة مستقلة، وإنهاء نظام الحكم الذاتي بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا. وحتى البنية الأساسية والموارد التي كانت خاضعة فعليا لسيطرة الأكراد يجري الآن تسليمها إلى دمشق.

وعلى الورق، يوفر اتفاق يناير بين دمشق و«قسد» إطارا لمعالجة الحدود غير الرسمية التي تشكلت خلال الحرب، وإعادة فتح الطرق المغلقة، وتوحيد الرسوم والأنظمة المتوازية للحكم والإدارة، لكن إذا رأت الأغلبية الكردية المقيمة في الشمال الشرقي أن عملية إعادة الدمج هذه غير كافية، أو أنها لا تضمن الحفاظ على حقوق الأكراد وتمثيلهم فقد تبدأ في مقاومتها بما قد يعرقل محاولات دمشق بسط سيطرتها الكاملة على البلاد وعلى ممرات العبور فيها.

ترفع عودة ملايين السوريين أيضا حجم الرهانات السياسية؛ فبحلول نهاية مايو كان نحو 1.67 مليون لاجئ و1.92 مليون نازح داخليا قد عادوا إلى مجتمعاتهم الأصلية.

ويعود كثيرون منهم من سنوات طويلة من الفقر في الدول المجاورة إلى مناطق تعاني أصلا من صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية لسكانها، ما زاد المنافسة على السكن وفرص العمل والخدمات العامة، وقد يخلق مع استمرار هذه العملية مصادر جديدة للتوتر والنزاع على المستوى المحلي.

ولكي تنجح دمشق في دمج هؤلاء العائدين سيكون عليها تمكين المحافظات والبلديات بالموارد والصلاحيات التي تتيح لها معالجة مشكلات تقديم الخدمات وخلق الوظائف والتعليم فور ظهورها.

ولتجنب إعادة إنتاج اقتصاد ريعي يعتمد على رسوم العبور والامتيازات الأجنبية يتعين على الدولة السورية إعادة استثمار عائدات المشروعات في الاقتصادات المحلية.

لقد حدّ اعتماد الأسد على إيران وروسيا من هامش حركته، أما الحكومة الجديدة فبوسعها التفاوض مع أوروبا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التي تسعى إلى الوصول إلى الأسواق السورية ومسارات العبور عبر البلاد. وتمنح المنافسة بين هؤلاء الشركاء دمشق قدرا من النفوذ يسمح لها بالتفاوض على شروط تُبقي أكبر قدر ممكن من قيمة هذه الاستثمارات داخل سوريا.

لكن استخدام هذا النفوذ بفاعلية يقتضي اتفاقات شفافة مرتبطة بأولويات واضحة لسياسات الدولة في إعادة الإعمار والتعافي.

ولكي تربط الحكومة المركزية العاصمة بصورة أفضل بالمدن والبلدات البعيدة، عليها الاستثمار في تحسين الطرق وشبكات الكهرباء، وإلزام المستثمرين الأجانب بدعم التوظيف المحلي واتفاقات تقاسم العائدات.

كما سيكون عليها التوصل إلى تسويات دائمة وعادلة مع قادة الأقليات والمجتمعات القبلية لتعزيز الثقة داخل البلاد.

لقد أتاح الاهتمام المتجدد بسوريا بوصفها نقطة عبور ذات مزايا للتجارة الإقليمية لدمشق دخلا وأهمية ونفوذا في وقت تحتاج فيه إلى العناصر الثلاثة جميعا، لكن هذه المكاسب ليست مضمونة أو دائمة.

ويتمثل التحدي أمام دمشق في استخدام عوائد أهميتها الجديدة في التجارة الإقليمية لبناء مؤسسات قادرة على العمل، وتوزيع موارد التعافي، وتجاوز عداوات الماضي.

وإلا فقد تعود سوريا بعد عقود من الإقصاء إلى الخريطة الإقليمية بوصفها مجرد ممر هش تستغله القوى الأخرى في مشروعاتها التجارية.