جيسي ماركس - نيكولاس ليال
وكانت تلك المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي سوريا بصورة قانونية منذ عام 2003 حين أدى الغزو الأمريكي للعراق فعليا إلى وقف تدفق النفط عبر الحدود من العراق إلى سوريا.
وفي أواخر أبريل وسّع العراق استخدام هذا المسار، وأعاد فتح معبر ربيعة الشمالي مع سوريا الذي ظل مغلقا لأكثر من عقد خلال الحرب الأهلية السورية. وبين أبريل وأواخر يوليو نُقل أكثر من 2.1 مليون طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.
فقد هيمنت على حركة التجارة الأسلحة الإيرانية والإمدادات اللوجستية المتجهة إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وأشكال أخرى من التجارة غير المشروعة التي ملأت خزائن بشار الأسد، من دون أن تحقق للسوريين سوى القليل من المنافع.
وبحلول أغسطس 2025 كان ما يصل إلى 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من سبعة ملايين طن من البضائع قد عبرت إلى سوريا وفقا لتقديرات هيئة الجمارك السورية.
وبدأ الأردن وقطر والسعودية وتركيا تطبيع علاقاتها مع البلاد وممارسة الأعمال التجارية فيها. وتحركت السلطات الجديدة في دمشق بسرعة لاستعادة علاقات سوريا مع طيف واسع من الشركاء الإقليميين والدوليين، بهدف إنهاء العزلة الاقتصادية التي عاشتها البلاد.
ومع أهمية هذه الخطوات، فإنها لا تقترب من تلبية احتياجات إعادة بناء سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. ففي عام 2025 قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في عام 2024.
ومع تزايد مخاطر الرد الإيراني التي تترتب على الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الاعتماد على مضيق هرمز، تتجه دول كثيرة إلى سوريا، التي تمتلك مجموعة من المسارات البرية والبحرية ذات المواقع الاستراتيجية.
وتحاول السلطات السورية استثمار التدفق المحتمل لرؤوس الأموال والتجارة في إنشاء مصدر جديد للإيرادات، بما يسمح للدولة بإعادة صياغة صورة البلاد؛ من مصدر للاجئين والإرهاب والاضطراب الإقليمي إلى قوة عبور تؤدي دورا رئيسيا في شبكات الربط الإقليمي.
ففي عام 2009 بدأت الحكومتان السعودية والتركية مناقشات لإعادة تطوير مسار سكة حديد الحجاز، الذي أنشأته الإمبراطورية العثمانية، ودُمّر جزء كبير منه خلال الحرب العالمية الأولى، غير أن اندلاع الحرب الأهلية السورية أدى إلى التخلي عن تلك الخطط.
وبين عامي 2010 و2021 تراجعت الصادرات السورية بنحو 90 في المائة. وأُغلقت طرق العبور الرئيسية عبر البلاد بالكامل مع تفكك الدولة إلى مناطق نفوذ متنافسة.
وفي عام 2023 اقترحت الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وشركاء أوروبيون «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» بوصفه وسيلة لتعزيز الترابط داخل المنطقة وبين الأقاليم، ودمج إسرائيل التي تمثل إحدى عقد هذا الممر مع جيرانها.
وتشير تحليلات لممرات سكك حديد إقليمية مماثلة، من بينها تحليل للمجلس الأطلسي، إلى أن الخط يمكن أن ينقل في مرحلته الأولى نحو 1.5 مليون حاوية سنويا مع إمكانية ارتفاع الرقم إلى ثلاثة ملايين حاوية إذا جرى توسيع طاقة السكك والموانئ.
ثم اتفق العراق وسوريا في يوليو على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس النفطي، الذي دُمّر خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ بهدف إنشاء منفذ دائم للنفط العراقي على البحر المتوسط.
وإذا دخل خط الأنابيب الخدمة ضمن الإطار الزمني المقدر بأربع سنوات فقد ينقل مليوني برميل يوميا بحلول عام 2030، وهو ما يعادل نحو 60 في المئة من صادرات العراق من النفط الخام قبل الحرب مع إيران، ونحو تسعة في المائة من إجمالي النفط الذي كان يمر عبر مضيق هرمز.
ومع التخطيط أيضا لمسارات جديدة عبر تركيا، سيكون العراق في موقع يتيح له توجيه أكثر من 80 في المائة من حجم صادراته بعيدا عن هرمز منهيا بذلك اعتماده شبه الكامل على موانئ الخليج.
فالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها نفوذا جيوسياسيا لدى القوى الخارجية الساعية إلى تنويع طرق التصدير، لكنه يضع البلاد كذلك في قلب تنافسات إقليمية آخذة في التشكل؛ مع تقارب السعودية وتركيا في المجال الأمني، وتنامي الدور التجاري للإمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية، ومحاولة إسرائيل منع تركيا من ترسيخ نفوذ بالقرب من حدودها.
وقد يدفع التنافس على من سيمول هذه الممرات ويديرها ويحميها سوريا إلى صراعات لا تزال أوضاعها الداخلية أكثر هشاشة من أن تحتملها.
وإذا اشتدت المنافسة على هذه الممرات بوتيرة تتجاوز قدرة سوريا على إدارتها فقد تجد البلاد نفسها عرضة لمزيد من السيطرة الخارجية واستنزاف مواردها.
ومن المرجح أن تحاول إسرائيل مقاومة هذا التحول.
ففي فبراير حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من «محور سني راديكالي آخذ في التشكل» مع ازدياد تقارب سوريا مع قطر والسعودية وتركيا.
وفي يونيو حذرت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف من أن شراكات التجارة والطاقة الإقليمية المصممة لتجاوز إسرائيل تمثل «تهديدا استراتيجيا حقيقيا للأمن القومي» واضعة بذلك صعود سوريا كممر تجاري بديل ضمن التصور الإسرائيلي الأوسع للتهديدات.
وفي أغسطس 2026 قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية بعدما زعمت أن دمشق تستعد للسماح بانتشار تركي فيها يهدف، بحسب تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى «إلحاق الضرر بإسرائيل».
غير أن هذا النهج المتحفظ قد لا يردع إسرائيل عن توسيع احتلالها غير القانوني لأراض سورية، أو استهداف البنية الأساسية السورية، أو تأجيج حالة عدم الاستقرار من خلال علاقاتها مع أقليات سورية، وهي ممارسات تعرقل جميعها مشروعات حيوية لتعافي سوريا.
أنشأت روسيا قواعد عسكرية، وحصلت على امتيازات مربحة في الفوسفات والنفط والغاز والموانئ.
واستخدمت إيران سوريا جسرا بريا إلى لبنان، ونشرت آلاف الجنود داخل البلاد. وجرت محاولات إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط الأسد تحت وطأة هذا الإرث.
وعلى مدى سنوات خضعت أنظمة إدارة الجمارك في أنحاء الأراضي السورية لسلطات منفصلة ومتنافسة بعضها حكومي وبعضها الآخر غير حكومي، وفي مقدمتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يقودها الأكراد.
ومع أن دمشق استعادت سلطتها على المعابر الحدودية مع العراق الواقعة في مناطق كانت خاضعة لسلطة الأقلية الكردية، فإن المعبر الرئيسي من تلك المناطق إلى تركيا لم يُفتح بعد.
وفي يونيو الماضي وقّع الشرع مرسوما يتيح للمستثمرين الأجانب حقوق ملكية كاملة في معظم القطاعات، وحرية غير مقيدة في تحويل أرباحهم إلى الخارج، فضلا عن إعفاءات واسعة من الضرائب والرسوم الجمركية.
ومن المرجح أن يساعد هذا التركيز للسلطة على تسريع إجراءات الاستثمار وتبسيطها.
لكن في غياب رقابة مستقلة على مثل هذه القرارات، وهي رقابة لم تنشئها سوريا حتى الآن، قد يؤدي تركيز السلطة أيضا إلى إحياء ممارسة تعود إلى عهد الأسد حين كان السماح بالوصول إلى الفرص الاقتصادية يُستخدم مكافأة على الولاء السياسي.
أما شركة «موانئ دبي العالمية» التي تتخذ من الإمارات مقرا لها، فستمول بناء بنية أساسية جديدة في ثاني أكبر موانئ سوريا وتتولى تنفيذها، مقابل حصولها على حق تشغيل المنشأة لمدة 30 عاما على أن تعود السيطرة عليها بعد ذلك إلى دمشق.
لكن في ظل عدم نشر أي تفاصيل تتعلق بتقاسم الإيرادات في هذه الصفقة، ما يزال من غير الواضح حجم العائد الذي ستحصل عليه الدولة، أو الكيفية التي ستدار بها هذه الإيرادات وتوزع.
وإضافة إلى ذلك يأتي جزء كبير من هذه المبالغ في صورة اتفاقات أولية.
وقد تمنح هذه البنية الرئيس نفوذا مفرطا في تحديد المستثمرين والمناطق والمجتمعات التي ستستفيد من عملية التعافي. وفي بلد عانى منذ ستينيات القرن الماضي من إساءة الدولة استخدام السلطة والثروة، يبدو هذا النمط من السيطرة مألوفا على نحو يبعث على القلق.
وفي نهاية المطاف تتوقف قدرة سوريا على تحويل الاستثمار الأجنبي إلى مكاسب محلية على نجاح دمشق في إقامة نظام سياسي يمكن التنبؤ به.
وحتى الآن تبدو الحكومة وكأنها تحقق تقدما مطردا، غير أن الطريق أمامها ما يزال طويلا. وخلال العامين الماضيين اتسمت حملة الشرع لإعادة توحيد البلاد بالعنف.
وقد عمّقت المواجهات على الساحل ذي الأغلبية العلوية، وفي منطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وفي أنحاء الشمال الشرقي الذي كان خاضعا لقيادة كردية، حالة انعدام الثقة بين الدولة والمجتمعات التي تسعى إلى حكمها.
فعلى الرغم من أن الحكومة المركزية و«قسد» وقعتا اتفاقا للاندماج في مارس 2025، فإن الخلافات بشأن دمج القوات عسكريا والحكم الذاتي الكردي حالت في البداية دون تنفيذه، وأفضت إلى اندلاع القتال في يناير، ما تسبب في نزوح أكثر من 170 ألف شخص.
وفي أغسطس وبعد أشهر من التنفيذ التدريجي للاتفاق أعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي حل التحالف بوصفه قوة مستقلة، وإنهاء نظام الحكم الذاتي بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا. وحتى البنية الأساسية والموارد التي كانت خاضعة فعليا لسيطرة الأكراد يجري الآن تسليمها إلى دمشق.
ويعود كثيرون منهم من سنوات طويلة من الفقر في الدول المجاورة إلى مناطق تعاني أصلا من صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية لسكانها، ما زاد المنافسة على السكن وفرص العمل والخدمات العامة، وقد يخلق مع استمرار هذه العملية مصادر جديدة للتوتر والنزاع على المستوى المحلي.
ولكي تنجح دمشق في دمج هؤلاء العائدين سيكون عليها تمكين المحافظات والبلديات بالموارد والصلاحيات التي تتيح لها معالجة مشكلات تقديم الخدمات وخلق الوظائف والتعليم فور ظهورها.
لقد حدّ اعتماد الأسد على إيران وروسيا من هامش حركته، أما الحكومة الجديدة فبوسعها التفاوض مع أوروبا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التي تسعى إلى الوصول إلى الأسواق السورية ومسارات العبور عبر البلاد. وتمنح المنافسة بين هؤلاء الشركاء دمشق قدرا من النفوذ يسمح لها بالتفاوض على شروط تُبقي أكبر قدر ممكن من قيمة هذه الاستثمارات داخل سوريا.
ولكي تربط الحكومة المركزية العاصمة بصورة أفضل بالمدن والبلدات البعيدة، عليها الاستثمار في تحسين الطرق وشبكات الكهرباء، وإلزام المستثمرين الأجانب بدعم التوظيف المحلي واتفاقات تقاسم العائدات.
كما سيكون عليها التوصل إلى تسويات دائمة وعادلة مع قادة الأقليات والمجتمعات القبلية لتعزيز الثقة داخل البلاد.
ويتمثل التحدي أمام دمشق في استخدام عوائد أهميتها الجديدة في التجارة الإقليمية لبناء مؤسسات قادرة على العمل، وتوزيع موارد التعافي، وتجاوز عداوات الماضي.
وإلا فقد تعود سوريا بعد عقود من الإقصاء إلى الخريطة الإقليمية بوصفها مجرد ممر هش تستغله القوى الأخرى في مشروعاتها التجارية.