روبوتات ذكية من أجل مبانٍ أكثر أمانًا في عُمان

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026

يدخل يوميًا آلاف الأشخاص إلى المستشفيات والجامعات والمطارات والمدارس والمباني الحكومية في جميع أنحاء عُمان، مطمئنين بسلامة هذه المباني.

والحفاظ على المباني في حالة جيدة يتطلب تفتيشًا دوريًا ومراقبة دقيقة وجهدًا كبيرًا من المهندسين وفرق الصيانة. وفي الوقت الراهن، يتيح الذكاء الاصطناعي والروبوتات وسائل جديدة لدعم هذه الجهود.

من المعلوم أن الذكاء الاصطناعي أحدث تغييرات في كثير من مجالات الحياة اليومية، بما في ذلك الرعاية الصحية والنقل والتعليم والتصنيع؛ غير أن أحد المجالات التي تحظى باهتمام أقل هو استخدام الروبوتات الخدمية الذكية في تفتيش المباني وإدارة المنشآت.

تخيّل روبوتًا قادرًا على التنقل داخل مبنى جامعي -بعد ساعات العمل- قادراً على فحص معدات السلامة من الحرائق، والكشف عن الشقوق أو تسرب المياه، والتحقق من تركيبات الإضاءة، والتنقل بين الطوابق باستخدام مصعد عادي، وإعداد تقرير تفتيش لفريق الصيانة.

قبل بضع سنوات، كان مثل هذا النظام يبدو طموحًا للغاية. أمَّا اليوم، فإن التقدم في مجال الروبوتيات والرؤية الحاسوبية والملاحة الذاتية تجعل ذلك ممكنًا.

بالنسبة لسلطنة عمان، يكتسب هذا التوجه العلمي أهمية خاصة. فرؤية «عُمان 2040» تُولي اهتمامًا كبيرًا للبحث العلمي والابتكار والتحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. حيث يمكن للأنظمة الروبوتية الذكية أن تسهم في تحقيق هذه الأهداف، وفي الوقت نفسه، تقوم بمعالجة المشكلات العملية التي تواجهها المؤسسات المسؤولة عن المرافق المنشآت العامة والخاصة.

ويُعد تفتيش المباني أحد المجالات التي يمكن لهذه التقنية أن تُحدث فيها أثرًا مباشرًا.

تتطلب المستشفيات والجامعات والمدارس والمطارات والفنادق والمكاتب الحكومية وغيرها من المرافق الرئيسية تفتيشًا دوريًا لمعدات السلامة وأنظمة الطوارئ والإضاءة والحالة الإنشائية. ولا يزال جزء كبير من هذا العمل يُنجَز يدويًا؛ إذ يقضي المهندسون وموظفو الصيانة وقتًا طويلاً في التنقل داخل المباني، وفحص المعدات، وتسجيل الملاحظات، وإعداد التقارير. ومع تزايد حجم المباني وتعقيدها، تفرض هذه الأنشطة الروتينية طلبًا متزايدًا على الوقت والقوى العاملة.

وقد كان هذا التحدي الدافع وراء بحثي في جامعة السلطان قابوس. فقد عملتُ مع فريقي على دراسة كيفية تمكين الذكاء الاصطناعي والروبوتات لمساعدة المهندسين على إجراء عمليات تفتيش المباني بكفاءة أكبر. والهدف ليس استبدال موظفي الصيانة، بل تزويدهم بأدوات روبوتية قادرة على أداء مهام التفتيش المتكرِّرة، وجمع معلومات موثوقة، ومساعدتهم على اتخاذ تدابير صيانة أفضل.

يجمع عملنا بين الملاحة الذاتية والرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي ودايناميكا الروبوتات الذراعية لتطوير منصة روبوتية متنقلة قادرة على العمل داخل مبانٍ حقيقية. ومن أصعب المشكلات التي عالجناها أمر يقوم به الناس عادة بسهولة ومن دون تفكير: استخدام المصعد.

بالنسبة للإنسان، يُعد الدخول إلى المصعد والانتقال إلى طابق آخر أمرا بديهيا. أما بالنسبة لروبوت ذاتي التشغيل، فإن الأمر يتضمن عدة إجراءات منسقة؛ إذ يجب على الروبوت تحديد موقع المصعد، والتعرّف على أزراره، وتحديد موضعه بشكل صحيح، والتفاعل مع الأزرار، والدخول بأمان عند فتح الأبواب، والانتقال إلى الطابق المطلوب، والخروج، ثم مواصلة مهمة التفتيش.

تتغلب بعض الأنظمة الروبوتية على هذه الصعوبة من خلال التواصل إلكترونيًا مع مصاعد ذات تجهيزات خاصة أو ما يُعرف بـ«المصاعد الذكية». وعلى الرغم من فعالية هذا النهج، إلا أنه يعتمد على إجراء تعديلات في ذات المبنى، وقد لا يكون عمليًا في المرافق والمباني القديمة.

أما نهجنا فكان مختلفًا. فبدلاً من استحداث تغييرات في المبنى للتماشي مع الروبوت، أردنا أن يعمل الروبوت داخل المبنى من دون استحداث تغييرات في هيكلية المبنى. فباستخدام الكاميرات المدمجة، والإدراك القائم على الذكاء الاصطناعي، والأذرع الروبوتية، والملاحة الذاتية، تم تطوير النظام بحيث يستطيع تشغيل مصعد ركاب تقليدي دون الحاجة إلى إجراء تغييرات كبيرة في البنية التحتية القائمة.

وقد جرى اختبار هذا العمل أيضًا خارج نطاق المحاكاة الحاسوبية؛ إذ تم دمج المنصة الروبوتية وتقييمها تجريبيًا في مبنى أكاديمي حقيقي متعدد الطوابق.

وخلال التجارب، تنقّل الروبوت داخل المساحات الداخلية، وانتقل بين الطوابق باستخدام مصعد ركاب تقليدي، وحدد أهداف التفتيش، ونفّذ المهام المكلَّف بها بشكل ذاتي.

وقد زُوِّد الروبوت أيضًا بقدرات إبصار قائمة على الذكاء الاصطناعي للتعرّف على الأجسام حوله والتعرف على مشكلات الصيانة القابلة للرؤية، بما في ذلك طفايات الحريق، وتركيبات الإضاءة، والشقوق، والأضرار الناتجة عن الرطوبة، وتقشر الدهان، والبقع. ويمكن بعد ذلك تسجيل نتائج المعاينة مع مواقعها وتنظيمها في تقارير لموظفي الصيانة.

ولا تكمن قيمة مثل هذه الأنظمة في مجرد أتمتة المهمة؛ فالكشف المبكر عن مشكلات الصيانة يمكن أن يقلل من تكاليف الإصلاح، ويحسّن السلامة، ويطيل العمر الافتراضي للمباني، ويتيح استخدام موارد الصيانة بشكل أكثر فاعلية.

ففي المستشفى، على سبيل المثال، يمكن إجراء عمليات التفتيش الروتينية خلال الفترات الأقل ازدحامًا مع أدنى قدر من الإزعاج للمرضى والموظفين. ويمكن للجامعات تفتيش مرافقها بعد انتهاء ساعات التدريس. كما يمكن للمطارات والفنادق والمباني الحكومية استخدام عمليات التفتيش الروبوتية لدعم الصيانة الوقائية، مع تمكين المهندسين من تخصيص مزيد من وقتهم للمشكلات التي تتطلب خبرة تقنية أعمق.

وترتبط هذه التطبيقات ارتباطًا وثيقًا بالأهداف الأوسع لرؤية «عُمان 2040»؛ إذ تُظهر كيف يمكن للبحث العلمي الذي يُجرى داخل الجامعات العُمانية أن يسهم في التحول الرقمي، مع معالجة الاحتياجات العملية داخل البلاد.

ولا ينبغي الحكم على الجامعات فقط من خلال عدد الأبحاث التي تنشرها؛ فمن الجوانب المهمة تحويل المعرفة إلى حلول تعود بالنفع على المجتمع. وتكتسب البحوث قيمة خاصة حين تنتقل من المختبر إلى البيئات الواقعية وتبدأ في معالجة المشكلات التي تواجه الصناعة والحكومة والمجتمع بشكل أوسع.

وفي المستقبل المنظور، سيسهم الذكاء الاصطناعي والروبوتات في إدارة المباني والمرافق العامة. والسؤال المهم هو كيفية تطوير هذه التقنيات ومدى فعاليتها لخدمة الإنسان والمجتمع.

لا يُقصد من تطوير الروبوتات استبدال المهندسين أو مديري المنشآت بها، بل يتمثل دور هذه الروبوتات في مساعدتهم من خلال تنفيذ عمليات التفتيش المتكررة، وجمع المعلومات بشكل منتظم، وتحديد المشكلات التي تتطلب تدخلاً بشريًا. وتبقى القرارات النهائية والحكم التقني والمسؤولية النهائية في يد الإنسان.

لذلك، فإن مباني المستقبل لن تصبح «ذكية» لمجرد احتوائها على مزيد من أجهزة الاستشعار أو المعدات المتطورة؛ بل ستصبح أكثر ذكاء لأن البيانات تُجمع وتُستخدم بفعالية أكبر من أجل الحفاظ على سلامة وكفاءة واستدامة هذه المباني.

وفي هذا الصدد، يمنح البحث في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات في عُمان فرصة لتطوير هذه القدرات محليًا وتطبيقها على المنشآت التي يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية.