حين تصمت البيوت
تمضي أيام الإجازة الصيفية سريعًا، وقريبًا تعود الحقائب والكتب إلى أماكنها، وتعود البيوت إلى مواعيد النوم والاستيقاظ، ويستعد أبناؤنا للرجوع إلى مدارسهم وجامعاتهم وكلياتهم بعد أسابيع من الراحة والابتعاد عن روتين الدراسة.
وفي نهاية كل إجازة تبقى الأيام شاهدة على الطريقة التي عشناها بها.
فمن أبنائنا من وجد في الصيف فرصة لشيء مختلف، فقرأ وحفظ من القرآن الكريم، والتحق بورشة أو برنامج علمي، ومارس الرياضة، ونمّى هواية، وزار أقاربه، وشارك في نشاط اجتماعي أو ثقافي، ومنهم من وفقه الله لزيارة بيته الحرام وأداء مناسك العمرة. وهذه كلها أبواب مختلفة يجمعها معنى واحد، وهو أن يخرج الإنسان من إجازته وقد أضاف إلى نفسه شيئًا جميلًا ونافعًا.
وللوقت قيمة لا نشعر بها دائمًا ونحن نعيش تفاصيل يومنا، لكنه يصبح أكثر وضوحًا حين تمضي الأيام ونلتفت خلفنا. وقد أقسم الله تعالى بالزمن فقال: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ»، وهي كلمات قليلة في مبناها، عميقة في معناها، تذكر الإنسان بأن العمر يمضي، وأن ما يذهب منه لا يعود.
وفي المقابل، مرت الإجازة عند بعض أبنائنا بصورة أخرى أصبحت مألوفة في كثير من البيوت؛ سهر يمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، ونوم يستغرق معظم النهار، ثم تبدأ رحلة طويلة أمام الهاتف أو الجهاز اللوحي أو ألعاب الفيديو. تتنقل الأصابع بين المقاطع والألعاب والمنصات والرسائل، وتمضي ساعة وراء أخرى من غير أن يشعر صاحبها بكمية الوقت التي استهلكها.
ليست المشكلة في الهاتف ولا في اللعبة ولا في التقنية نفسها، فهذه الأدوات أصبحت جزءًا من الحياة والتعليم والعمل والتواصل، وفيها من الفوائد ما لا يمكن إنكاره. المشكلة في أن يفقد الإنسان قدرته على التوازن، وأن تتحول الوسيلة التي صُنعت لتخدمه إلى شيء يستحوذ على يومه واهتمامه ووقته.
لقد أصبح من المشاهد التي تستحق التوقف أن تجتمع الأسرة في مجلس واحد، لكن كل فرد فيها يعيش في مكان آخر. الأب يتابع هاتفه، والأم منشغلة بشاشتها، والأبناء بين لعبة ومقطع ومحادثة، والجميع قريب بعضهم من بعض في المكان، بعيد بعضهم عن بعض في الحضور.
وقد تمضي الجلسة كاملة من غير حديث حقيقي، بينما كانت مثل هذه الجلسات في وقت قريب مساحة للسؤال والحكاية والضحك والاستماع وتفاصيل الحياة الصغيرة.
ومن هنا تبدأ مسؤولية أولياء الأمور قبل الأبناء، فالطفل لا يتعلم بالنصيحة وحدها، بل يراقب ما يحدث أمامه ويحفظه بطريقته. وحين يرى والديه يمسكان بالهاتف في كل وقت، سيكون من الصعب إقناعه بأن الاستخدام المفرط للأجهزة أمر غير جيد. الأبناء يلتقطون سلوك الكبار بسرعة، ولذلك تبقى القدوة من أكثر وسائل التربية صدقًا وتأثيرًا؛ لأن الفعل يصل إليهم قبل الكلام.
ولا تحتاج الأسرة إلى تحويل البيت إلى قائمة من الممنوعات حتى تعيد التوازن. قد تبدأ المسألة بأمور بسيطة يتفق عليها الجميع؛ أن تبقى الهواتف بعيدة عن مائدة الطعام، وأن يكون للجلسة العائلية شيء من حرمتها، وأن تقل الأجهزة قبل النوم، وأن يعرف الابن أن هناك وقتًا للترفيه ووقتًا للدراسة، ووقتًا للأسرة ووقتًا للنوم والراحة.
والأهم أن تُطبق هذه القواعد على الجميع، فلا يكون الابن مطالبًا بإغلاق جهازه، بينما يبقى الكبار منشغلين بأجهزتهم.
وفي هذا المعنى يلفت الحديث النبوي النظر إلى نعمتين قد تكونان بين أيدينا ولا نعرف قيمتهما إلا بعد فقدهما، عن عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، رواه البخاري.
والفراغ بالفعل نعمة حين يحسن الإنسان استثماره، لكنه قد يتحول إلى باب لاستهلاك الوقت حين لا يجد الابن في يومه ما يجذبه خارج الشاشة. ولهذا لا يكفي أن يقال له: اترك الهاتف. فالهاتف سيبقى أكثر جاذبية إذا لم يكن في حياته بديل يجد فيه المتعة والمعنى.
رياضة يحبها، كتاب يناسب اهتمامه، هواية يكتشف معها قدراته، رحلة مع أسرته، زيارة لأقاربه، مشاركة في عمل تطوعي، أو حتى جلسة بسيطة يجد فيها من يستمع إليه؛ كلها أشياء قد تبدو عادية، لكنها تصنع في حياة الأبناء ما لا تصنعه ساعات طويلة من التصفح.
إن الأبناء لا يحتاجون دائمًا إلى مزيد من التعليمات، بل يحتاجون أحيانًا إلى من يصاحبهم. يحتاجون إلى أب يجلس معهم لا إلى هاتفه، وإلى أم تسمع تفاصيل يومهم، وإلى بيت يشعرون فيه أن الحديث معهم لا يقل أهمية عن الرسالة التي تصل إلى الشاشة.
والحوار معهم منذ الصغر يصنع وعيًا أبقى من المنع. حين يعرف الابن قيمة وقته ويفهم سبب تنظيم استخدام الأجهزة، وحين يشارك في ترتيب يومه بدلًا من أن تُفرض عليه الأوامر، يتعلم شيئًا أهم من الالتزام المؤقت، يتعلم أن يكون رقيبًا على نفسه وأن يعرف متى يتوقف. وكم تبدو كلمات أحمد شوقي قريبة من واقعنا حين قال:
دقات قلب المرء قائلة له:
إن الحياة دقائق وثوانِ
فالوقت لا يعلن عن رحيله، ولا يطرق الباب قبل أن يمضي. دقائق صغيرة تتجمع فتصبح ساعات، وساعات تصبح أيامًا، ثم نفاجأ بأن إجازة كاملة انتهت، ولم يبق منها إلا ما صنعناه فيها. وقد ورد هذا البيت ضمن شعر أحمد شوقي في المصادر الأدبية التي تجمع ديوانه.
ومع اقتراب العودة إلى المدارس والجامعات، تصبح هذه الأيام فرصة مناسبة لإعادة ترتيب ما اختل خلال الإجازة؛ فينتظم النوم تدريجيًا، ويقل السهر، وتُستعاد عادة القراءة، ويخف الوقت الطويل أمام الأجهزة، وتعود الحركة والرياضة والجلسات الأسرية إلى مكانها الطبيعي في اليوم.
ولا يحتاج التغيير دائمًا إلى قرارات كبيرة. قد يبدأ من عادة صغيرة تتكرر كل يوم؛ هاتف يوضع جانبًا أثناء الطعام، وساعة تخلو من الشاشات، وحديث يجمع أفراد الأسرة، ونزهة قصيرة، وكتاب يُقرأ، وهواية تعود بعد غياب. ومع الأيام تتحول هذه التفاصيل البسيطة إلى نمط حياة أكثر وعيًا وتوازنًا.
والوعي لا يعني الابتعاد عن التقنية أو الخوف منها، بل معرفة موقعها الصحيح في حياتنا. فجيل اليوم يعيش في عالم رقمي، وسيحتاج إلى التقنية في دراسته وعمله ومستقبله، لكن حاجته إليها لا تعني أن يمنحها يومه كله. المطلوب جيل يستخدمها ولا تستحوذ عليه، يستفيد منها ولا يفقد نفسه فيها، ويعرف أن الحياة أوسع كثيرًا من شاشة يحملها بين يديه.
وأبناؤنا اليوم هم طاقة المجتمع غدًا، وكل ساعة تُستثمر في بناء عقولهم وأخلاقهم وصحتهم ومواهبهم هي استثمار في مستقبلهم ومستقبل وطنهم. وما يُغرس فيهم داخل البيت سيصاحبهم حين يكبرون، لذلك فإن صناعة الوعي تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يعيشونها كل يوم قبل أن تبدأ من الكلمات التي يسمعونها.
كن واعيًا، ولا تفقد توازنك، واحفظ لوقتك قيمته، ولصحتك حقها، ولأسرتك نصيبها، ولطموحك مساحة في يومك. استمتع بما بين يديك من تقنية، واستفد منها، لكن لا تسمح لها أن تأخذ من عمرك أكثر مما تستحق، فالتقنية جزء من الحياة، لكنها ليست الحياة كلها، والإنسان الواعي هو من يبقى ممسكًا بوقته قبل أن يفلت الوقت من بين يديه.
