No Image
بريد القراء

"جامع البيانات بين تناقضات المجتمع وحواجزه"

21 أغسطس 2026
21 أغسطس 2026

يواجه الكثير من جامعي البيانات صعوبة كبيرة في الوصول للهدف المراد تحقيقه منهم، وخاصة في مسألة جمع البيانات من المجتمع، وهذا يعود بطبيعة الحال للكثير من الأسباب، منها ضيق الوقت، وصعوبة الانتقال الميداني وغيرها الكثير.

إلا أنني في هذا المقال سأتكلم عن سبب مهم استوقفني أثناء تجربتي كجامع بيانات، وهو متعلق بالمبحوثين أو مجتمع الدراسة، وبالتحديد عدم استجابتهم لمساعدة جامع البيانات للحصول على البيانات المطلوبة وإن كان من أبناء وطنهم.

لا يظن البعض بي ظن السوء، فأنا لا أعني بكلامي أن المجتمع غير متعاون، بالعكس، فما قلته وما سأقوله يعبر عن نسبة قليلة من المجتمع ولا يمكن أن تُعمَّم نتائج أفعالهم على المجتمع ككل، ولكن في الوقت نفسه لا يجب أن نهمل تلك النسبة أو الفئة القليلة، بل لا بد أن ندرسها بسبب وجودها في الواقع وما قد تشكله من علاقة تأثير وتأثر في العديد من الأنساق المجتمعية.

يرى جوتييه "أن العقلية العربية عقلية غير منطقية تعوزها مواهب كثيرة لتتساوى أو تقارن بالعقلية الآرية، إذ تفتقر للاتزان والتوسط والذاتية"، ولتوضيح ما يقصده جوتييه وعلاقته بموضوعنا -وإن كان تمييزياً- لا بد أن ندرك -أو قد أدركها البعض بالفعل- بعض الحقائق المهمة في عقلية المجتمع وإن كانت لن تعجب الكثير من الناس.

أولى هذه الحقائق هي "التناقض"، هذه الحقيقة قد يربطها الكثير بمفهوم الانفصام، وهذا غير صحيح، فكلاهما مختلفان وخاصة من حيث الوعي والإدراك، ومن حيث السبب وطبيعة كل منهما.

فمن وجهة نظري المتواضعة، إن ما يجعل الشخص متناقضاً هي غالباً أسباب يدركها أو لا يدركها بسبب وجود غطاء من الجهل المعرفي أولاً، وغطاء من المصلحة الشخصية ثانياً، وهذا في طبيعته أقرب لأن يكون خليطاً من حالات اجتماعية ثقافية ونفسية أكثر من أن يكون اضطراباً نفسياً ذهانياً كطبيعة الانفصام.

لنعد لقضية التناقض، يعد عدم التناقض كما أشار إليه سعد سرحان في كتابه "دراسات بينية في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع"، أهم أسس ومبادئ العقل الفكري ليتطابق مع ذاته، ويقول إنها فطرية تلزم الفكر بما هو فكر، ولا تقبل التعديل ولا الاحتمال ولا تتوقف على الأفراد ولا تتغير بتغيير الظروف.

فيعد عدم التناقض من أهم هذه المبادئ؛ لأنه جوهر الفكر المنطقي، فضلاً عن أنه يعبر عن مبدأين من مبادئ الفكر العقلي، وهما "قانون الذاتية": الذي يعني أن ما هو هو وما ليس هو ليس هو، أي (أ هو أ)، وقانون "الثالث المرفوع": ويقصد به أن الشيء إما أن يكون هو أو لا، ولا وسط بينهما، فخرق هذين القانونين يعني الوقوع في التناقض لا محالة.

للتوضيح أكثر، يهتم الناس كثيراً بقضية الباحثين عن عمل، لدرجة أنهم يتعاطفون معهم لحد كبير ويتمنون لو أن بإمكانهم تقديم أي مساعدة لهم، بشرط ألا تتعارض هذه المساعدة مع وقتهم الشخصي الثمين الذي ربما ستتم تقضيته في أحد الكافيهات، أو لكسل يصيبهم، وخاصة إذا كانت أداة جمع البيانات تأخذ بعض الوقت، وأنا لا ألومهم في ذلك، ولكنني متأكد بأنه لن يأخذ ربع الوقت الذي يقضونه في تصفح برامج التواصل، أو أياً يكن.

فهم من جهة يريدون مساعدتي في إيجاد أي عمل، ولكن حين أجد عملاً بسيطاً أراهم ينفرون ولا يبذلون أي جهد لمساعدتي.

والأهم من هذا كله هو السؤال الذي يلقمونه من مدة طويلة برصاص الجشع وبعض من قيم الرأسمالية المتغلغلة في عقلية الغالبية العظمى، وهو: "ماذا سأستفيد؟"، سأتفهم لو كان السؤال يُعنى بالمجتمع، أي ماذا سيستفيد المجتمع ككل، ولكنه نابع من خطوط حمراء تحمي المصلحة الشخصية والمتمثلة في (الوقت- الراحة- عدم الاهتمام- غياب الربح)، والتي يُمنع تجاوزها بأي شكل من الأشكال.

إلا في حالة واحدة فقط، والمصيبة الكبرى أنني لا أعدك بنجاحها، وهي أن تُظهر كمية من البؤس للحصول على موافقتهم، يكفي التظاهر بذلك فقط، لأن أحد العلماء ممن لا يستحضرني اسمه يقول: "إن التظاهر بالبؤس هو أكثر الأمور بؤساً".

أما الحقيقة الثانية فمرتبطة "بالأمن الحكومي"، أي ضرورة امتلاك تصاريح حكومية من مختلف الجهات كسلاح مهم يخولك للبدء في عملية جمع البيانات، وحتى امتلاكه قد لا يؤتي ثماره في بعض الأحيان.

هذا منطقي جداً ومفهوم بسبب انتشار الشركات الوهمية التي تستغل ظروف الناس في كثير من عمليات الاحتيال، وخاصة في الآونة الأخيرة، إذ انتشرت وسائل كثيرة للاحتيال، منها أن يتمكن المحتالون من انتحال شخصية أو ربما بيانات معينة عن طريق الصوت والصورة، فأصبح ذهابي للميدان بجهازي الخاص متأكداً بأنه سيكون صعباً جداً.

هنالك حقيقة أخرى مهمة لن أقول إنها تعيق سير جمع البيانات، ولكنها تضيف نوعاً من الصعوبة في ذلك، وهي "تفضيل الجنس"، لاحظتها كثيراً من خلال تجربتي الخاصة، وأيضاً من خلال شهادات العديد من جامعي البيانات من كلا الجنسين.

فالبعض من الرجال يفضلون الجنس الآخر للمساعدة في تعبئة أداة البحث، سواء كان عن طريق الاستبانة الإلكترونية أم عن طريق المقابلة.

على سبيل المثال: لا نستبعد أن تتلقى جامعة البيانات الردود الإيجابية والموافقة على التعاون معها من قبل الجنسين وخاصة الرجال، بعكس جامع البيانات الذي سيواجه صعوبة في التعاون معه من قبل الجنسين أيضاً، وذلك قد يكون لعوامل سيكولوجية كثيرة ليست محور حديثي هذا، ولست أملك المعرفة الكافية للخوض في تحليلها بعد.