عندما خرج من الوظيفة !
يقال بأن الإنسان ابن بيئته، لذلك يتأثر البعض كثيراً بالبيئة التي عاش فيها وانغمس في تفاصيلها، ويصبح الارتباط بالمكان والزمان جزءاً من تكوين الأشخاص وطريقة حياتهم، وهذا الارتباط النفسي والعاطفي لا ينفصل عن تكوين الأشخاص حتى مع مرور الزمن لدرجة أن خروجه من بيئته يمثل له انتحاراً وخروجاً من الحياة التي لا يرى سواها ولا يرتضي العيش في غيرها.
لكن الحالة السابقة ليست حالة سائدة، فطموح البعض يدفعه لتغيير كل شيء من حوله، ومع أول فرصة للفرار خارجاً عن البيئة التي عاش فيها تجده ينطلق مسرعاً نحو بيئة أخرى كان يتمنى أن يولد فيها أو يكون واحداً منها.
مع أول تغيير لحياة بعض الناس لا يتغير المكان بقدر ما يتغير من نفسه، فالشخص القديم قد تم استبداله بشخصية أخرى مختلفة عن تفاصيل الماضي، خاصة إذا انتقل من بيئة بسيطة إلى بيئة مستوى لا يشبه ماضيه.
حالة الانبهار والزهو بالنفس تبدو على ملامحه بسرعة متناهية وكأنه كان ينتظر ذلك القطار الذي يقله إلى أماكن بعيدة عن عالمه الذي كان فيه، لذلك لا يريد مطلقاً أن يتذكر ماضيه أو كيف نشأ أو كيف عاش سابقاً!
ومن أجل الإنصاف وإحقاق الحق، فإن بعض الذين خرجوا من بيئتهم البسيطة إلى بيئة أخرى لم ينسلخوا من جلدتهم، وإنما بقوا على نفس الروح النقية التي خرجوا منها، وظل ارتباطهم الوجداني ملازماً للبيئة التي عاشوا فيها لسنوات طويلة من أعمارهم.
وهذه المفارقة قلما تجدها في هذا الزمن، لأن الملهيات والمغريات أصبحت كثيرة جداً تظلل فكر الإنسان وتجعله شخصاً مختلفاً عن واقعه الذي عاش فيه لسنين طويلة.
ليس من الخطأ أن تترقى في مستويات الحياة للأفضل، ولكن الخطأ أن تلغي كل ماضيك الجميل والشخصيات التي مدت يديها لتعبر الطريق، ولا تكن ناكراً لجميل قد مضى، وتذكر ما اشتكى منه الشاعر كريم العراقي في قصيدته:
كم خابَ ظنّي بِمَنْ أَهديتُهُ ثقتيْ
فأجبرتنيْ على هجرانهِ التهمُ
كم صرتُ جسراً لِمَنْ أَحببتهُ فمشى
على ضلوعيْ وكم زَلّتْ بهِ قدَمُ؟
وليس بعيداً عن مثل هذه الشخصيات، تعود بي الذاكرة إلى الماضي قليلاً، فقبل عدة سنوات التقيت به في مكان عمله، بعد سعي مضنٍ وصعوبة شديدة في إيجاد موعد محدد لمقابلته.
كنت أتردد كثيراً على مكتبه متذكراً بعضاً من ذكريات الماضي، شغوفاً لمقابلة شخص أعرفه، ليس طلباً لحاجة ولكن امتداداً لمعرفة سابقة، ومع ذلك كانت كل أوقات الانتظار الطويل تذهب بدون فائدة "اجتماع، ضيوف، إجازة"، ومع ذلك لم أُصب باليأس!
من اللحظة الأولى، وجدته شخصاً مختلفاً عن الذي كنت أعرفه منذ زمن، ربما انتقاله إلى منصبه الجديد جعله في هيئة أخرى، فقد وجد أمامه فرصة للتعرف على أصحاب جدد، وشخصيات أخرى أصبحت تلتف حوله وتؤثر عليه في تعامله ونمط حياته، حتى أماكن العبادة التي كان يرتادها لسنوات أصبحت شيئاً من الماضي، فهو يحاول تجنب من يسأله أحد في مسألة، أو يشكو له مظلمة!
ولكن كما يقال: "بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال"، مضى به قطار العمر، فوجد نفسه فجأة خارجاً من عمله، عاد إلى حياته فوجد أن ثمة تغيرات جذرية حدثت من بعد رحيله من المكان الذي تناساه لزمن.
صمتت هواتفه، وانقطعت الأرجل عن المجيء إليه، فلم يعد ذلك الشخص المهم الذي تفتح له الأبواب أو تهابه القلوب الضعيفة، تبدل ذلك كله بعد أن نادى منادي النفور من حوله!
انهارت كل الصخور التي تحيط به، أصبح ودوداً على غير عادته، يهتم بمحادثة الصغير قبل الكبير، كل تلك الأنفة والكبرياء والغطرسة المفتعلة، قد أصبحت شيئاً من الماضي!
هذا الإنسان تنقل بين ثلاثة عوالم أو مراحل زمنية، الأولى: عندما كان شخصاً بسيطاً يعيش فترة الحلم وينشد الترقي في العمل، والثانية: عندما كتب الله له أن يصبح مسؤولاً في عمله فاعتقد بأن الرزق بيده، والثالثة: عندما عاد من حيث أتى!
فلماذا يتعالى البعض عندما يحس بأنه أصبح شيئاً مهماً في حياة الناس، ويتواضع عندما يجد نفسه "وحيداً" تحاصره ذكريات الماضي، ويفزعه صمت جدران المنازل؟!
بريق الوظيفة والمنصب لا يدوم، فالغرور البشري وتوقع استدامة النعم يجعلان الإنسان يحيد أحياناً عن طريقه الصحيح، وتصبح نظرته لمن حوله من الضعفاء والبسطاء أقل ما يقال عنها "لا تعنيه"، لكن ما أن يتبدل حاله ويصبح واحداً منهم، يحاول أن يعيد صلاته بهم، مما يثير التساؤلات وعلامات التعجب: كيف تغير هذا الشخص بعد أن كان ماضيه الأسود مليئاً بالغرور؟ لكن "لله ما أعطى ولله ما أخذ".. فالمناصب لا تدوم أبداً.
